للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ودخل القادر طليطلة في حمى ألفونسو وجنده النصارى، بعد أن تصدى له أهلها وحاولوا رده بالقوة، فنكلت بهم الجند النصارى، ومزقوهم شر ممزق، وجلس القادر مرة أخرى على عرشه المضطرب الواهي، والفوضى تسود المدينة، وأهلها في كدر ووجوم، يتوقعون من تلك الحال سوء المصير، وكان ذلك في آخر سنة ٤٧٤ هـ (١٠٨١ م) (١).

- ٣ -

والواقع أن كل شىء كان ينذر بوقوع النكبة المرتقبة. ذلك أن ألفونسو السادس ملك قشتالة كان يدبر خطته الكبرى للاستيلاء على طليطلة، وكانت وهي في يد ملكها الضعيف المتخاذل، تبدو له ثمرة دانية القطوف، بعد أن غدا القادر في يده شبه أسيره. وتقول لنا الروايات القشتالية إن القادر كان حينما طلب من ألفونسو معاونته على استرداد المدينة، قد تعهد له بأن يحكمها باسمه، وأن يسلمها إليه متى شاء، على أن يعاونه على استرداد بلنسية لتكون مقر إمارته. بيد أن الحوادث التالية، وموقف القادر في الدفاع عن مدينته، يجعلنا نشك في أنه قطع مثل هذا العهد. وعلى أي حال فإن سقوط طليطلة في يد القشتاليين، لم يحدث بدون ممهدات ووقائع عنيفة.

وكان ألفونسو إلى جانب خططه العسكرية، قد مهد لمشروعه بأعمال السياسة.

وكان المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، لما رأى من استفحال قوة ألفونسو، وتغلبه على سائر ممالك الطوائف المتاخمة لمملكته، قد خشي أن ينساب تيار الغزو إلى أراضيه، ورأى أن عقد المهادنة والصلح مع ملك قشتالة، هو خير ضمان لاتقاء شره، وسلامة مملكته. فبعث وزيره البارع ابن عمار إلى ليون ليفاوض ملك قشتالة، وانتهى ابن عمار إلى أن عقد معه معاهدة، يتعهد فيها ملك قشتالة بأن يعاون ابن عباد بالجند المرتزقة ضد سائر أعدائه من الأمراء المسلمين، ويتعهد ابن عباد مقابل ذلك، بأن يؤدي إلى ملك قشتالة جزية كبيرة، ويتعهد بالأخص بما هو أهم، وهو أن يتركه حراً طليقاً في أعماله ضد طليطلة، وألا يعترض مشروعه في الاستيلاء عليها. وربما كان في الرسالة التي بعث بها المعتمد فيما بعد إلى


(١) الذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص ١٢٤ - ١٢٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>