للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ثمَّ بيَّنَ السُّيوطيُّ أنَّ للمتأخِّرينَ الحكمَ على الحديثِ، والكشفَ عنْ عللِهِ، وإبرازَ فوائدِهِ، لكنْ بعدَ السَّبرِ وجمعِ المرويَّاتِ - وهذَا ما عليهِ إجماعُ المحدِّثينَ - وهوَ ما عبَّرَ عنهُ ب «الصَّحِيحِ لغيرِهِ»، ونحنُ نعلمُ أنَّ الحديثَ لَا يرتقِي إلى الصحيحِ لغيرِهِ إلَّا بمجموعِ الطُّرقِ، قالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «وَأَمَّا القِسْمُ الثَّانِي: فَهَذَا لَا يَمْنَعُهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَلَا غَيرُهُ، وَعَلَيهِ يُحْمَلُ صَنِيعُ مَنْ كَانَ فِي عَصْرِهِ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ، فَإِنِّي اسْتَقْرَيتُ مَا صَحَّحَهُ هَؤُلَاءِ فَوَجَدُّتُهُ مِنْ قِسْمِ الصَّحِيحِ لِغَيرِهِ لَا لِذَاتِهِ … » (١).

فالتَّصحيحُ سنَّةٌ ماضيةٌ، وحاجةٌ ملحَّةٌ، وإنَّ اللهَ يُقيَّضُ للسنَّةِ المطهَّرةِ رجالاً ينفونَ عنهَا تحريفَ الغالينَ وانتحالَ المبطلينَ وتأويلَ الجاهلينَ، وكثيرٌ منْ أئمَّةِ المتأخِّرينَ خاضُوا ميدانَ التَّصحيحِ والتَّضعيفِ.

وما زالَ الأمرُ موصولًا إلى زمانِنَا هذَا (٢).

وهؤلاءِ الأئمَّةُ اعتمدُوا في تصحيحهمْ للأحاديثِ مناهجَ الأئمَّةِ المتقدِّمينَ، فسبرُوا طرقَ الحديثِ، وقارنُوا بينَ المرويَّاتِ، وكشفُوا عنْ أوجُهِ الاتِّفاقِ والاختلافِ، وهذَا ما عليهِ مدارُ عملِ جهابذَةِ المحدِّثينَ من المتقدِّمينَ.


(١) المصدر السابق.
وقد أُلِّفت كتبٌ معاصرةٌ في مسألةِ التَّصحيحِ عندَ ابنِ الصَّلاحِ، منهَا: كتاب «مسألة التصحيح والتحسين في الأعصار المتأخرة - للدكتور عبد الرزاق الشايجي - دار ابن حزم - بيروت - عام ١٩٩٩ م». وكتابُ «تصحيح الحديث عند الإمام ابن الصلاح للدكتور حمزة المليباري - بيروت - عام ١٩٩٧ م» -، وخرَّج قول ابن الصلاح على أنَّ المقصود من منعه «الأجزاء وغيرها».
(٢) وقد حدثت مساجلات، وألفت كتب في انتقاد بعض العلماء المعاصرين، لعدم اتباعهم منهج المتقدمين في التصحيح والتضعيف، من خلال التساهل في تصحيح الأحاديث، وحكمهم على ظواهر الأحاديث دون النظر في عللها، واعتمادهم الكلي على «تقريب التهذيب» في الحكم على الرجال، والتوسع في تصحيح الأحاديث من خلال المتابعات والشواهد، وكلٌ يُؤخذُ منهُ ويردُّ عليهِ إلا صاحبُ القبرِ الشَّريف -صلى الله عليه وسلم-.

<<  <   >  >>