للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإن قيل: إنما نفى أن ينال ظالم في حال ظلمه، فإذا تاب فلا يسمى ظالمًا فيصح أن يناله.

والجواب: أن الظّالم وإن تاب فلا يخرج من أن تكون الآية قد تناولته في حال كونه ظالمًا، فإذا نفى أن يناله فقد حكم عليه بأنه لا ينالها، والآية مطلقة غير مقيّدة بوقت دون وقت فيجب أن تكون محمولة على الأوقات كلها، فلا ينالها الظّالم وإن تاب فيما بعد" (١) .

نقد استدلالهم:

أولاً: اختلف السلف في معنى العهد على أقوال:

قال ابن عباس والسدي: إنه النبوة، قال: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} "أي نبوتي"، وقال مجاهد: الإمامة، أي لا أجعل إمامًا ظالمًا يقتدى به، وقال قتادة وإبراهيم النّخعي وعطاء والحسن وعكرمة: لا ينال عهد الله في الآخرة الظّالمين فأمّا في الدّنيا فقد ناله الظّالم فأمن به وأكل وعاش.. قال الزّجّاج: وهذا قول حسن، أي لا ينال أماني الظّالمين؛ أي: لا أؤمنهم من عذابي. والمراد بالظّالم: المشرك، وقال الربيع بن أنس والضحاك، عهد الله الذي عهد إلى عباده: دينه، يقول: لا ينال دينه الظالمين، ألا ترى أنه قال: {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ} يقول: ليس كلّ ذرّيتك يا إبراهيم على الحقّ.. وروي عن ابن عباس - أيضًا - {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} ، قال: ليس للظالمين عهد، وإن عادته فانقضه (٢) .

فالآية - كما ترى - اختلف السلف في تأويلها، فهي


(١) الطّبرسي/ مجمع البيان: ١/٢٠١، وانظر: الطّوسي/ التّبيان: ١/٤٤٩، المجلسي/ بحار الأنوار: ٢٥/١٩١
(٢) انظر: تفسير الطبري: ج‍ (من الأجزاء المحققة) ص٢٠ وما بعدها، تفسير البغوي: ١/١١٢، ابن عطية/ المحرر الوجيز: ١/٢٥٠، القرطبي/ الجامع لأحكام القرآن: ٢/١٠٨، تفسير ابن كثير: ١/١٧٢-١٧٣، الشوكاني/ فتح القدير: ١/١٣٨، الألوسي/ روح المعاني: ١/٣٧٧، تفسير القاسمي: ٢/٢٤٥-٢٤٦

<<  <  ج: ص:  >  >>