للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ولما حدَّث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما بأنّه سيكون ملك من قحطان؛ غضب معاوية رضي الله عنه، فقام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: أمّا بعد؛ فإنّه بلغني أن رجالًا منكم يتحدَّثون بأحاديث ليست في كتاب الله، ولا تُؤثَرُ عن رسول الله - صلّى الله عليه وسلم -، فأولئك جهالكم، فإياكم والأماني الّتي تُضِلُّ أهلها؛ فإني سمعت رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - يقول: "إن لهذا الأمر في قريش، لا يعاديهِم أحدٌ؛ إِلَّا كبَّه الله على وجهه؛ ما أقاموا الدين". رواه البخاريّ (١).

وإنّما أنكر معاوية خشية أن يظنَّ أحدٌ أن الخلافة تجوز في غير قريش، مع أن معاوية رضي الله عنه لم ينكر خروج القحطاني؛ فإن في حديث معاوية قوله: "ما أقاموا الدين"، فإذا لم يُقيموا الدين؛ خرج الأمر من أيديهم، وقد حصل هذا؛ فإن النَّاس لم يزالوا في طاعة قريش إلى أن ضعف تمسُّكُهم بالدين، فضعف أمرهم، وتلاشى، وانتقل الملك إلى غيرهم (٢).

ولهذا القحطاني ليس هو الجهجاه (٣)؛ فإن القحطاني من الأحرار؛ لأنّه نسبه إلى قحطان الّذي تنتهي أنساب أهل اليمن من حمير وكندة وهمدان وغيرهم إليه (٤)، وأمّا الجهجاه؛ فهو من الموالي.


(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب المناقب، باب مناقب قريش، (٦/ ٥٣٢ - ٥٣٣).
(٢) انظر: "فتح الباري" (١٣/ ١١٥).
(٣) خلافًا للقرطبي، فإنّه قال في "التذكرة" (ص ٦٣٦): "ولعلّ هذا الرَّجل القحطاني هو الرَّجل الّذي يقال له الجهجاه".
(٤) انظر: "فتح الباري" (٦/ ٥٤٥ و ١٣/ ٧٨).

<<  <   >  >>