للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عدم الوصال حتى يحتاج إلى شد الحجر على بطنه. قال: وإنما لفظ الحديث الحجز بالزاي، وهو طرف الإزار فصحفوا وزادوا لفظ «من الجوع» .

وأجيب بأنه لا منافاة، كان صلى الله عليه وسلم يطعم ويسقى إذا واصل في الصوم: أي يصير كالطاعم والساقي تكرمة له، ولا يحصل له ذلك دائما، بل يحصل له الجوع في بعض الأحايين على وجه الابتلاء الذي يحصل للأنبياء عليهم الصلاة والسلام تعظيما لثوابهم والله أعلم.

وإن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما لما علم ما به صلى الله عليه وسلم من شدّة الجوع صنع شويهة وصاعا من شعير. قال جابر: وإنما أريد أن ينصرف معي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده. فلما قلت له أمر صارخا، فصرخ أن انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت جابر بن عبد الله. قال جابر: فقلت إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة: الآية ١٥٦] فأقبل الناس معه: أي بعضهم، فجلس صلى الله عليه وسلم فأخرجناها إليه، فبرّك ثم سمى الله تعالى، ثم أكل، وتواردها الناس، كلما فرغ قوم قاموا، أي وذهبوا إلى الخندق وجاء آخرون، حتى صدر أهل الخندق عنها وهم ألف، فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانصرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو.

قال: وفي رواية «أن جابرا رضي الله تعالى عنه لما رأى ما به صلى الله عليه وسلم من الجوع استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الانصراف إلى بيته، فأذن له. قال جابر: فجئت لامرأتي وقلت لها: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا أفعندك شيء؟ قالت: عندي صاع من شعير وعناق، فذبحت العناق، وطحنت الشعير وجعلت اللحم في برمة، فلما أمسينا، جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فساورته وقلت له: طعيم لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، فشبك صلى الله عليه وسلم أصابعه في أصابعي، وقال: كم هو؟ فذكرت له، قال:

كثير طيب، لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء، وصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع لكم سؤارا» أي ضيافة «فحيهلا بكم: أي سيروا مسرعين، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس. قال جابر رضي الله عنه: فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله، والله إنها لفضيحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادخلوا عشرة عشرة، أي بعد أن أخرجت له عجيننا فبصق فيه وبارك، ثم عمد صلى الله عليه وسلم إلى برمتنا وبصق فيها وبارك» الحديث. أي ومجيء القوم كان على الوجه المتقدم «وإن أم عامر الأشهلية أرسلت بقصعة فيها حيس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في القبة عنده أم سلمة رضي الله تعالى عنها، فأكلت أم سلمة حاجتها، ثم خرج بالقصعة، ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلموا إلى عشائه، فأكل أهل الخندق حتى نهلوا منها وهي كما هي» .

وقد ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله ونفعنا ببركاته أنه قدّم لأربعة

<<  <  ج: ص:  >  >>