للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ينفد، كلًا، وكذلك أخذنا من هذه الشريعة تارة نأخذ منها عن طريق النص الواحد، وتارة نرجع إليها ونأخذ عن طريق جملة نصوص، ثم إن النص الواحد تارة يكون له مدلول واحد وتارة أوسع من ذلك، ثم ننتقل إلى القياس وهو إلحاق النظير بنظيره كما أسلفنا، ثم ننتقل إلى البناء على الأصل الكلي والقواعد العامة وهكذا، فهل يمكن أن يقال أن عطاء النصوص ينفد.

والظن بابن الجويني أنه لا يقصد أنَّ دلالتها محصورة، بل قد نص في مواضع كثيرة على أنه لا تخرج حادثة ولا واقعة في عصر عن حكم الله (١).

الموضع الثاني: إن المقالة السابقة قد طورت لتصبح شبهة حاصلها أن هذه النصوص المحدودة كيف تحكم وقائع البشرية المتجددة غير المتناهية في جميع العصور والأزمان، وقد استعملها قوم لا يعرفون طبيعة هذه الشريعة ومنزلتها الحقيقية، وقوم آخرون استعملوها كيداً ومكراً وصداً عن سبيل الله.

{يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (٢).

والجواب الذي يكشف الشبهة ويصد كيد الماكرين فلا تعد شبهتهم ينفذ كيدها ومكرها بإذن الله، هو أن يعلم هؤلاء وهؤلاء أن وضع الشريعة الإِسلامية على هذه الصفة مقصود وخلق البشرية على هذه الصفة المتشابهة التي أشرت إليها مقصود كذلك، فالذي خلق البشرية جعلها على تلك الصفة .. وهو الذي أنزل كلامه على رسوله وجعله بتلك الصفة.

{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (٣).

فرب العالمين - رب هذه البشرية وخالقها - هو أعلم بها وهو الإِله الذي له الأمر والنهي وبيده مقاليد كل شيء جعل البشر يتشابهون في حياتهم الخلقية


(١) انظر البرهان مسألة رقم ٦٧٧ - ١١٣٣.
(٢) سورة الصف: آية ٨.
(٣) سورة الأعراف: آية ٥٤.

<<  <   >  >>