للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

بيضاء تجلو الهم عن ناظري ... بعين حق لا بعين انتقاص

فقل لمن يغرب في أسمر ... ما الفضة البيضاء مثل الرصاص

وإذا أحكمت ما قررناه من علة اصفرار الألوان علمت أن خفقان القلب عند الاجتماع أو الرؤية من لازم ذلك الشأن وقد لهج الشعراء بالاعتذار عن ذلك وأكثروا فيه من التشعب والمسالك فمن ألطف ما قيل فيه قول الوراق.

يقول لي حين وافى ... قد نلت ما ترتجيه

فما لقلبك قد جا ... بخفقة تعتريه

فقلت وصلك عرس ... فالقلب يرقص فيه

وألطف منه قول البها زهير

لا تنكروا خفقان قلبي ... والحبيب لدي حاضر

ما القلب إلا داره ... دقت له البشائر

وتظرف ابن عنين بزياد ظرافة على الاعتذار عن الخفقان حيث قال:

إن كان لا بدّ من رقادي ... فأضلعي هاك كالوساد

فنم على خفقها هدوّا ... كنومة الطفل في المهاد

وكثيراً ما تتبعت كلامهم فلم أر من جمع بين الاعتذار عن تغير اللون والخفقان فقلت في ذلك:

قالت أراك إذا عاينتني وجلا ... عديم لون بهيج كنت تملكه

والقلب منك خفوق لا يسكنه ... شيء فيا ليت شعري ما يحرّكه

فقلت ما تدر إن الشمس إن جمعت ... بالبدر بعد تمام النور تنهكه

والطير إن ألف الغصن الرطيب وقد ... مادت به الريح هل يخفى تحرّكه

وفي الأبيات مع ما ذكر وصفها بالشمس فتكون هي المفيدة للمحاسن والآخذة لها كما بين الشمس والبدر ثم جعلها أغصاناً يميل مع الهواء والقلب طائراً عليه وكل ذلك زيادة على المطلوب وأما وصف خفقان القلب من غير نظر إلى الاعتذار عن فكثير قال ابن سنا الملك.

أما والله لولا خوف سخطك ... لهان عليّ ما ألقي برهطك

ملكت الخافقين فتهت عجباً ... وليس هما سوى قلبي وقرطك

وقال معين الدين:

لم أنسه إذ قال أين تحلني ... حذراً عليّ من الخيال الطارق

فأجبت في قلبي فقال تعجباً ... أرأيت عمرك ساكناً في خافق

وقد نسب ابن تقي إلى الجفوة في قوله:

ومهفهف مالت به سنة الكرى ... زحزحته شيئاً وكان معانقي

أبعدته عن أضلع تشتاقه ... كي لا ينام على وساد خافق

فقل أنه لو قال باعدت عنه أضلعاً لكان أولى بالمقام.

[فصل]

[في مراتب الغيرة وما توقعه بالمحب من الحيرة]

وهي باعثة نفسية مادتها المروأة والمحبة ثم تزيد وتختلف بحسب الدواعي والأشخاص والمحمود منها ما كان واقعاً عند مشاهدة نقص في ناموس الهي وحكم ديني ونمط شرعي فتبعث المتانة في الدين والمروأة على اصلاح ما نقص باليدان ما أمكن ثم اللسان ثم القلب وهذا هو الذي ترجمه الشاعر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم توسع الناس فيها فأضافوا إليها سوء الظن فوقعوا بذلك في مفاسد كثيرة كنهي بعض جهلة المتصوفة عن ذكر الله غيرة عليه والحج والصلاة وغير ذلك مدعياً أنه ليس بأهل لها وقتل بعض العشاق من يتوهم منه ميلاً إلى محبوبه بل نفسه بل معشوقه ولهم فيها كلام كثير في قوالب شتى فبعضهم يغار من السواك والشربة والثوب وأمثال ذلك غير أني لم أر من غاص على لطائف هذا المعنى وتظرف في هذا المبنى ألطف من بهاء الدين زهير حيث غار من التلفظ بالحروف التي في اسم محبوبه فالله دره من غائص على نفائس الجواهر الفكرية ومستخرج لها من بحور الأذهان إلى بحور الألفاظ الرسمية.

وذلك قوله:

وأنزه اسمك أن تمر حروفه ... من غيرتي بمسامع الجلاس

فأقول بعض الناس عنك كناية ... خوف الوشاة وأنت كل الناس

إلا أن فيه بحسب ما يظهر مناقشة فإن ظهر كلامه أنه يجوز التلفظ بأسمها من فم نفسه بمسامع الجلاس وذلك غير جيد وأدق منه وأسلم وإن كان هذا أسجم قول يزيد بن معاوية.

ألا فأمل لي كاسات خمر وغنّ لي ... بزكر سليمى والرباب وتنعم

وإياك ذكر العامرية إنني ... أغار عليها من فم المتكلمي

أغار على أعطافها من ثيابها ... إذا لبستها فوق جسم منعم

<<  <   >  >>