للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[قال ابنُ رجبٍ رحمه الله]

كَانَ بَعْضُ العَارِفِينَ (١) يَتَكَلَّمُ عَلَى أَصْحَابِه، عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، فَقَالَ فِي كَلامِهِ: لا يَنَالُ أَحَدٌ مُرَادَهُ حَتَّى يَنْفَرِدَ فَرْداً بِفَرْدٍ، فَانْزَعَجَ وَاضْطَرَبَ, حَتَّى رَأَى أَصْحَابُهُ أَنَّ الصُّخُورَ قَدْ تَدَكْدَكَتْ، وَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ سَاعَاتٍ، فَلَمَّا أَفَاقَ فَكَأَنَّه (٢) نُشِرَ مِنْ قَبْرٍ (٣).

[الشرحُ]

هذا الأثر مما يُنقَل عن بعض الصوفية، فهم الذين يتلَقَّبُون بهذه الألفاظ: «العارف».

واسم «العارف» ليس من الأسماء الشرعية التي مِنْ مثل: «المؤمن»، «التقي»، «الصالح»، «الصدِّيق».

نعم، المعرفة مطلوبة وهي العلم، والله قد أمر بالعلم والتزَوُّدِ منه فقال آمِرَاً نبيَّه صلى الله عليه وسلم: {وقل رب زدني علماً}، لكنَّ اسمَ «العارف» أصبح مصطلحاً عند الصوفية يَعنُونَ به: المحقِّق لمقامات السَّيرِ إلى الله وجَمْعِ القلبِ إليه (٤).


(١) هو: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل المغربي، أحد أعيان الصوفية الزهَّاد، (ت ٢٧٦ هـ).
انظر ترجمته في: «طبقات الصوفية» (ص ١٩٤)، و «حلية الأولياء» (١٠/ ٣٣٥).
(٢) في نسخة (ب): فكأَنَّمَا.
(٣) أخرج القصة: ابن الجوزي في «القُصَّاص والمذَكِّرين» (ص ٢٨٢)، وفي تاريخه «المنتَظَم» (٦/ ١١٣).
(٤) ينظر: «الرسالة القشيرية» [باب المعرفة بالله] (ص ٥١٠ - ٥١٦).
وعند الصوفية أن المعرفة فوق العلم، ولذا فرَّقوا بين العالِم والعارف، فجعلوا العارف في منزلة فوق العالِم، ومن أقوالهم في ذلك: (العالِم ينظر بنور الله، والعارِف ينظر بالله عز وجل، وقلب العالِم يطمئن بالذكر، ولا يطمئن العارف بسوى الله عز وجل، والعارِف يقول حدَّثني قلبي عن ربي، والعالِم يقول حدَّثني فلانٌ عن فلان)، ومن هذا يظهر لك أن تفريقهم بين المعرفة والعلم مبنيٌّ على أصولٍ فاسدةٍ عندهم.

<<  <   >  >>