للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ثلاثاً. أي الغالون في التَّأويل، المتعمِّقون في أقوالهم وأفعالهم.

والغلو في الدِّين، والتَّشدُّد فيه غير الحقِّ نهى الله تعالى عنه، بقوله - عز وجل -:

{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ (٧٧)} [المائدة] ونهى عنه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وبيَّن أنَّ عاقبته الهلكة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالغُلُوِّ فِي الدِّينِ" (١). ويقابل الغلوَّ في الدِّين التَّفريط به، ودين الله بين الجافي المقصِّر عن الحدِّ، والغالي المجاوز الحدّ.

ومن أسباب الاختلاف والفتن: أخذ العلم عن غير أهله. قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ الله لَا يَنْزِعُ العِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ انْتِزَاعاً، وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ العُلَمَاءِ بِعِلْمِهِم، فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ" (٢) والأحاديث والشَّواهد كثيرة، والعلماء غرباء لكثرة الجهلاء.

ومن الأسباب: القول بالرّأي، واتِّباع الهوى. خلا عُمَرُ بن الخطاب - رضي الله عنه - ذات يَوْم فجعل يحدِّث نفْسَه، فأرْسَل إلى ابن عبَّاس، فقال: "كيف تختلف هذه الأمة، فكتابها واحد، ونبيُّها واحد، وقبلتها واحدة؟! قال ابنُ عبَّاس:

يا أمِيْرَ المؤمنينَ، إنَّا أُنْزِلَ علينا القُرآنُ، فقرأناه، وعَلِمْنا فِيْمَ نَزَلَ، وأنّه يكون بَعْدَنَا أقوامٌ يقرؤون القُرآنَ لا يعرفون فِيمَ نزل؛ فيكون كلّ قوم فيه رأي، فإذا كان لقومٍ فيه رأيٌ اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا. فَزَبَرَهُ عُمَرُ - رضي الله عنه - وَانْتَهَرَهُ (٣)،


(١) أحمد "المسند" (ج ٣/ص ٣٨٧/رقم ٣٢٤٨) وإسناده صحيح.
(٢) البخاري "صحيح البخاري" (م ٤/ج ٨/ص ١٤٨) كتاب الاعتصام.
(٣) لعلَّه نهره استعظاماً لا إنكاراً، فعمر - رضي الله عنه - يعرف أنَّ ما قاله الحقّ.

<<  <   >  >>