للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أقلينا، وللطير: أظلينا، ويستشعر أصحابه السكون والسكوت؛ فشبهوا بجلساء سليمان الذين لا يتحركون، والطير تظلهم من فوق رؤوسهم.

ويقال للرجل الحليم إنه يساكن الطير، أي أن طائره لا ينفر من سكونه.

أخافَ سِباعَ الطير من سَوْطِ رأيه ... فكادتْ لفَرْطِ الخوف تُلقِى المخالبَا

ولو أدرك المجنونُ أيامَ حُكْمِه ... لأعرَض عن ليلَى وأصبح تائبَا

منها:

خبيرٌ بتحْقيق العلومِ مُدقِّقٌ ... إذا جال في بَحْثٍ أراك العجائبَا

وإن نثَرتْ يُمناه في الطِّرْس لُؤْلُؤاً ... كتبْنَا على تلك الَّلآلي مطالبَا

وذيلتها برسالة وهي: أقسم بمن جلت عظمته، وعلمت كلمته.

وسخر القلوب للمودة، وصقل بالمحبة الخواطر المستعدة.

إنني أشوق إلى لثم يد مولاي من الروض إلى الغمام، ومن الساري إلى تبلج القمر في الظلام.

وقد كانت حالتي هذه وأنا جاره، فكيف الآن وقد بعدت عني داره.

وليست غيبته عني إلا غيبة الروح، عن الجسد البالي المطروح.

ولا العيشة بعد فراقه الجاني، إلا كما قال البديع الهمذاني: عيشة الحوت في البر، والثلج في الحر.

وليس الشوق إليه بشوق، وإنما العظم الكسير، والنزع العسير، والسم يسرى ويسير، والنار تشوى وتطير.

ولا الصبر عنه بصبر، وإنما هو الصاب والمصاب، والكبد في يد القصاب، والنفس رهينة الأوصاب، والحين الحائن وأين يصاب.

وقد كتبت إلى مولاي هذه القصيدة، وأنا لا أحسبها من الإحسان بعيدة.

وهذا الكتاب، وقد أنفقت عليهما مدةً من العمر، وصرفت على تحريرهما حينا من الدهر.

وكتبتهما وأنا مستغرق في ذكرك، مشغولٌ بحمدك وشكرك.

ذاكرٌ عهدك، ومقامي عندك.

في أوقاتٍ ألذ من قبل الغيد، وأشهى من اجتلاء الخدود ذات التوريد.

حيثما العيش أخذ طلقه، واستوفى من الأماني حقه.

وأنت تقرط سمعي بفوائدك، وتملأ صدفة أذني بلآلي فرائدك.

من أدبٍ أغزر مادةً من الديم، وأنشط للقلب من بوادر النعم.

ولقد يعز علي أن ألفى بعيداَ عنك، متروك الذكر منك.

ولكن هو الدهر، وعلاجه الصبر.

فصبراً على الأيام في كلِّ حالةٍ ... فكم في ضميرِ الغيب سِرٌّ مُحجَّبُ

وربما تخالج في صدري لداعيةٍ اقتضته، ورعونةٍ لأجل التنافس تقاضته.

أن يشرفني بمكاتبة، ويؤهلني إلى مخاطبة.

جرياً على معروف المعروف، وطمعا في اغتنام كرمه الموصوف.

حتى أباهي بكلمه الزمان، وأجعلها حرز الأماني والأمان.

وأظنه يفعل ذلك متفضلاً، لا برح لكل إحسان مؤملا.

فكتب إلى جوابا.

نحن عِفْنا الشهباءَ شوقاً إليكم ... هل لديكم بالشَّامِ شوقاً إليْنَا

قد عجزْتُم عن أن تَرَوْنا لديكمْ ... وعجزْنا عن أن نراكم لَديْنَا

حفظ اللهُ عهدَ من حفِظ الْ ... عهدَ ووَفَّى به كما وَفَّيْنَا

اللهم جامع المحبين، ومعين القوى على ألم النوى وما جعل الله لرجلٍ من قلبين.

أسألك بما أودعته في سرائر المخلصين من أسرار المحبة، وأنبت في رياض صدورهم من المودة، هي التي كحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة.

فارع فرع الشجرة المحببة وأصلها، وأفض عليها فواضلك التي كانوا أحق بها وأهلها.

واحفظ اللهم هاتيك الذات الزكية التي رؤيتها أجل الأماني، ونور تلك الصفات التي إذا تليت تلقتها الأسماع كما تتلقى آيات المثاني.

هذا وما الصب إلى الحبيب، والمريض إلى الطبيب.

بأشوق مني إلى تلقي خبره، واستماع ما يفتخر به الركبان من حسن أثره.

وماغرضي من عرض الأشواق، التي ضاقت عنها صدور الأوراق.

إلا تأكيدٌ لما يحيط به علمه المحترم وتشنيفٌ لمسامع اليراع بذكر صفاته التي تطرب فيترنم بألطف نغم.

ولقد كنت أتوقع زيارته لما قدم البلدة النجرا، فثنى عنان الإعراض وأجرى جواد الانبرا.

وما هكذا كنَّا لقد كان بيْنَنا ... معاملةٌ عن غير هذا الجفَا تُنْبي

هذا وضمير الأخ أنور من أن يستضئ بمصباح الاعتذار وأعلم بصدق المحبة في حالتي القرب والبعد والإعلان والإسرار.

وليس يندمل الجرح منا إلا بمرهم لقائه، ولا يشفى غليله إلا بري روائه.

فالرجاء أن يتلافى ما فرط بل أفرط من الإعراض، ويسمح بما نتوقعه منه بلا إغماض.

<<  <  ج: ص:  >  >>