للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقال الآخر: بل هو سماع، فتراضيا، فأخبرتهما بما عندي، فاقتصرا عليه" (١).

فاستفدنا من ذلك اهتمام النقاد بالتدليس وحذرهم الشديد منه، ونستدل بفعلهم هذا على رواية المدلس إذا وصلتنا بالعنعنة من جهة أن الواجب على الناقد المتأخر عنهم إذا جاءت رواية للمدلس بالعنعنة، واحتمل أن يكون المدلس صرح بالتحديث، واحتمل أنه لم يصرح، فالواجب حينئذ الاحتياط، والبقاء على الأصل، وهو أنه لم يسمع هذا الحديث من شيخه الذي رواه عنه، فهذا وجه الاستدلال بهذه النصوص وأمثالها.

ثم إن وجه الاستدلال هذا عليه دليل من عمل النقاد أنفسهم، وذلك في أسانيد متقدمة عن الناقد، قد بلغته بالعنعنة، فهم ومن تأخر عنهم في الأمر سواء.

فمن ذلك قول أحمد: "كان ابن أبي زائدة إذا قال: قال ابن جريج، عن فلان، فلم يسمعه، وكان يحدث عن ابن جريج فلا يجيء بالألفاظ والأخبار، وكذا كان حفص بميزان يحيى، كان يحيى يقول: ابن جريج، سمعت أبا الزبير" (٢).

ومراد أحمد أن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وحفص بن غياث، يرويان عن ابن جريج ما لم يسمعه من شيوخه، بالعنعنة بينه وبينهم، وأما القطان فيروي عن ابن جريج ما سمعه من شيوخه، ويذكر تصريحه بالتحديث.


(١). "تاريخ بغداد" ٢: ٣٩٦.
(٢). "علل المروذي" ص ٤٠.

<<  <   >  >>