والآخر: أن يركن إلى حسنات يعملها لنفسها خلال السيئات، فيقول في نفسه لئن كنت أسيء فلقد أحسن قبل بتلك، فإن هذا الحكم وهذا التعديل يكون أعظم ذنوبه إذ الحكم لله جل ثناؤه ولا للعبد، والله عز وجل لم يأمره إلا بالإحسان، ولم يأذن له، فليس إذا أحسن في شيء أن يسيء في غيره، ثم يزيد على ذلك أن يحكم لنفسه ويعدل إساءته بإحسانه من غير علم منة، بقدر حسنة ولا بقدر سيئة، فإنما علم ذلك عند الله عز وجل دون غيره وبالله التوفيق.
وقال بعض أهل العلم: الرجاء واسطة بين المعرفة والطلب فإن من لا معرفة له بالمرتجى لا خيرا له فيه على الطلب لمعرفة تبعث على الرجاء، والرجاء على الطلب، والخوف واسطة بين المعرفة والهرب، والمرتجى هو الخير أو ما يظن به أنه خير، والمخوف هو الشيء، أو ما يظن به أنه شر.
وكل ما ذكرته في باب الخوف من أنه لا ينبغي أن يكون الرجاء إلا لله جل جلاله إذا كان المنفرد بالملك والدين، ولا يملك أحد من دونه نفعا ولا ضرا، فمن رجا ممن لا يملك ما لا يملك هو من الجاهلين، وإذا علق رجاءه به جل ثناؤه فينبغي أن يسأله ما يحتاج إليه صغيرا وكبيرا، لأن الكل بيده لا قاضي للحاجات غيره، وسؤاله إنما يكون بالدعاء على ما سنبينه.
قال عز وجل:{أدعوني استجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} ولم يزل الدعاء دأب الأنبياء الذين خلفوا أئمة وأمر أن يقتدي بهم فهداهم ذكر الله عز وجل: إن أبانا آدم صلوات الله عليه لما ابتلي بالخطيئة، فرغ إلى الدعاء، وأمنا عليهما السلام معه كذلك فقالا:{ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}.
وإن نوحا صلى الله عليه وسلم لما طال عليه الأذى من قومه لجأ إلى الدعاء فقال:{ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم} ولعل بدله كان قوله: {إني مغلبوب فانتصر}.