للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

تأسست بدورها على حقيقة العقيدة الإسلامية، لما كان لتلك المبادئ أي أثر تطبيقي وإيجابي في شدّ أزر المجتمع الإسلامي ودعم كيانه.

ثالثا: المعنى التفسيري الذي صاحب شعار التآخي:

لم يكن ما أقامه الرسول صلّى الله عليه وسلم بين أصحابه من مبدأ التآخي مجرد شعار في كلمة أجراها على ألسنتهم، وإنما كان حقيقة عملية تتصل بواقع الحياة وبكل أوجه العلاقات القائمة بين الأنصار والمهاجرين.

ولذلك جعل النبي صلّى الله عليه وسلم من هذه الأخوة مسؤولية حقيقية تشيع بين هؤلاء الإخوة، وكانت هذه المسؤولية محققة فيما بينهم على خير وجه، وحسبنا دليلا على ذلك ما قام به سعد بن الربيع الذي كان قد آخى الرسول صلّى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، إذ عرض على عبد الرحمن بن عوف أن يشركه في بيته وأهله وماله في قسمة متساوية، ولكن عبد الرحمن شكره وطلب منه أن يرشده إلى سوق المدينة ليشتغل فيها، ولم يكن سعد بن الربيع منفردا عن غيره من الأنصار فيما عرضه على أخيه كما قد يظن، بل كان هذا شأن عامة الصحابة في علاقتهم وتعاونهم بعضهم مع بعض. خصوصا بعد الهجرة وبعد أن آخى النبي صلّى الله عليه وسلم فيما بينهم.

ولذلك أيضا، جعل الله سبحانه وتعالى حق الميراث منوطا بهذا التآخي، دون حقوق القرابة والرحم. فقد كان من حكمة هذا التشريع أن تتجلى الأخوّة الإسلامية حقيقة محسوسة في أذهان المسلمين، وأن يعلموا أن ما بين المسلمين من التآخي والتحابب ليس شعارا وكلاما مجردين، وإنما هي حقيقة قائمة ذات نتائج اجتماعية محسوسة يتكون منها أهم الأسس اللازمة لنظام العدالة الاجتماعية.

أما حكمة نسخ التوارث على أساس هذه الأخوة، فيما بعد، فهي أن نظام الميراث الذي استقر أخيرا، إنما هو نفسه قائم على أخوة الإسلام بين المتوارثين، إذ لا توارث بين ذوي دينين مختلفين، إلا أن الفترة الأولى من الهجرة وضعت كلّا من الأنصار والمهاجرين أمام مسؤولية خاصة من التعاون والتناصر والمؤانسة، بسبب مفارقة المهاجرين لأهلهم وتركهم ديارهم وأموالهم في مكة ونزولهم ضيوفا على إخوانهم الأنصار في المدينة، فكان ما أقامه الرسول صلّى الله عليه وسلم من التآخي بين أفراد المهاجرين والأنصار ضمانة لتحقيق هذه المسؤولية. ولقد كان من مقتضى هذه المسؤولية أن يكون هذا التآخي أقوى في حقيقته وأثره من أخوّة الرحم المجردة.

فلما استقر أمر المهاجرين في المدينة وتمكن الإسلام فيها، وغدت الروح الإسلامية هي وحدها العصب الطبيعي للمجتمع الجديد في المدينة، أصبح من المناسب انتزاع القالب الذي كان قد صب فيه نظام العلاقة بين المهاجرين والأنصار إثر التقائهم في المدينة، إذ لا يخشى على هذا النظام

<<  <   >  >>