للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

السيف فيهم قبل ساعات فقط من الزمن، فمردّ ذلك إلى الإرادة الإلهية التي جعلت من هذه الموقعة كلها درسا بليغا للمسلمين، جمع بين كلا مظهريه الإيجابي والسلبي في آن واحد.

وفي هذا الختام الأخير المتمم لموعظة أحد نزل قوله تعالى:

الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ، الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ، فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ

[آل عمران ٣/ ١٧٢- ١٧٤] .

[يوم الرجيع، وبئر معونة]

أولا- يوم الرجيع (في السنة الثالثة) :

قدم وفد من قبائل عضل والقارة على رسول الله صلّى الله عليه وسلم يذكر أن أخبار الإسلام قد وصلتهم وأنهم بحاجة إلى من يعلمهم شؤون هذا الدين، فبعث الرسول صلّى الله عليه وسلم نفرا من أصحابه، وفيهم:

مرثد بن أبي مرثد، وخالد بن البكير، وعاصم بن ثابت، وخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت.

روى البخاري بسنده عن أبي هريرة، قال: «فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة، ذكروا لحيّ من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فتبعوهم بقريب من مئة رام، فاقتصوا آثارهم، حتى أتوا منزلا نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم فلما انتهى عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد، وجاء القوم فأحاطوا بهم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلا. فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصما في سبعة نفر بالنبل، وبقي خبيب وزيد ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق.

فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال الرجل الثالث الذي معهما: هذا أول الغدر، فأبى أن يصحبهم فجرروه وعالجوه، على أن يصحبهم، فلم يفعل فقتلوه.

وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة: فاشترى خبيبا بنو الحارث، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيرا حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحدّ بها. قالت: فغفلت عن صبيّ لي، فدرج إليه حتى أتاه، فأجلسه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذاك مني، وفي يده الموسى. فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى. وكانت تقول: ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، لقد رأيته يأكل من

<<  <   >  >>