للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

بعد اليوم من التفكك والتميع في ظل الأخوة الإسلامية العامة وما يترتب عليها من المسؤوليات المختلفة. ولا ضير حينئذ أن يعود تأثير قرابة الرحم بين المسلمين من حيث كونها مؤثرا زائدا على قرابة الإسلام وأخوته.

ثم إن هذا التآخي الذي عقده رسول الله صلّى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار كان مسبوقا بمؤاخاة أخرى أقامها النبي صلّى الله عليه وسلم بين المهاجرين في مكة. قال ابن عبد البر: «كانت المؤاخاة مرتين: مرة بين المهاجرين خاصة، وذلك بمكة، ومرة بين المهاجرين والأنصار» «١٢» .

وهذا يؤكد لنا أنّ مناط الأخوة وأساسها إنما هو رابطة الإسلام. غير أنها احتاجت إلى تجديد وتأكيد بعد الهجرة بسبب ظروفها وبسبب اجتماع المهاجرين والأنصار في دار واحدة. فهي ليست في الحقيقة شيئا آخر غير الأخوة القائمة على أساس جامعة الإسلام ووحدة العقيدة، وإنما هي تأكيد لها عن طريق التطبيق.

[الأساس الثالث (كتابة وثيقة بين المسلمين وغيرهم)]

وهذا الأساس هو أهم ما قام به النبي عليه الصلاة والسلام مما يتعلق بالقيمة الدستورية للدولة الجديدة. روى ابن هشام أن النبي عليه الصلاة والسلام لم تمض له سوى مدة قليلة في المدينة حتى اجتمع له إسلام عامة أهل المدينة من العرب، ولم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها، عدا أفرادا من قبيلة الأوس، فكتب رسول الله صلّى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم.

وقد ذكر ابن إسحاق هذا الكتاب بدون إسناد، وذكره ابن خيثمة فأسنده: حدثنا أحمد بن جناب أبو الوليد، ثنا عيسى بن يونس، ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار، فذكر نحو ما ذكره ابن إسحاق «١٣» ، وذكره الإمام أحمد في مسنده فرواه عن سريج قال: حدثنا عباد عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلّى الله عليه وسلم كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار.. إلخ «١٤» .

ونحن لن نأتي بنص الكتاب كله، فهو طويل، ولكننا نجتزئ منه البنود الهامة بنصوصها الواردة في كتابه عليه الصلاة والسلام، كي نقف من ورائها على مدى القيمة الدستورية للمجتمع


(١٢) انظر فتح الباري: ٧/ ١٩١
(١٣) انظر عيون الأثر لابن سيد الناس: ١/ ١٩٨
(١٤) انظر مسند أحمد: ٢١/ ١٠ شرح البنا.

<<  <   >  >>