للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

٥- حرمة تمكين غير المسلمين من الإقامة فيه:

وقد أوضحنا هذا الحكم مع بيان دليله عند ذكر الحكم الأول، وهو حرمة القتال فيه.

سادسا- تأملات فيما قام به صلّى الله عليه وسلم من أعمال عند الكعبة المشرفة:

١- الصلاة داخل الكعبة: ذكرنا ما رواه البخاري عن ابن عباس من أنه صلّى الله عليه وسلم لم يدخل البيت حتى أخرج ما كان فيه من أصنام وأخرجت صورة لإبراهيم وإسماعيل وفي أيديهما الأزلام.. ثم دخل البيت فكبّر في نواحيه ولم يصل.

وقد روى مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي، فأغلقها عليه ثم مكث فيها. قال ابن عمر: فسألت بلالا حين خرج ما صنع رسول الله صلّى الله عليه وسلم؟ قال: «جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه» ، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثم صلى. وقد روى البخاري عن ابن عمر قريبا من هذا.

وقد قال العلماء إنه لا تعارض بين الحديثين، وذلك لأن ابن عباس- وهو راوي حديث عدم الصلاة- لم يكن مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم داخل الكعبة، وإنما أسند نفي الصلاة- كما يقول ابن حجر- تارة إلى أسامة وتارة إلى أخيه الفضل، على أن الفضل أيضا لم يكن معهم في الكعبة.

أما بلال، وهو الذي نقل إثبات الصلاة، فقد كان معه صلّى الله عليه وسلم، وبناء على هذا ينبغي أن يقدم حديث ابن عمر عن بلال، لسببين:

الأول: أنه مثبت فمعه زيادة علم، والمثبت مقدم على النافي.

الثاني: أن رواية بلال عن تثبت ومشاهدة لأنه كان معه صلّى الله عليه وسلم في داخل الكعبة، أما رواية ابن عباس فهي كما علمت إنما تستند إلى نقل لا مشاهدة، وهو مرة ينقل عن أسامة، ومرة ينقل عن أخيه الفضل، والفضل لم يكن موجودا معه.

قال النووي: «أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال، لأنه مثبت فمعه زيادة علم، فواجب ترجيحه» «٦٧» .

وقد ذهب الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء إلى أن الصلاة تصح في داخل الكعبة إذا اتجه المصلي إلى أحد جدرانها، سواء في ذلك النافلة والفريضة. وفرق مالك: «فصحح النفل المطلق دون الفرض والرواتب» «٦٨» .

٢- حكم التصوير واتخاذ الصور: وقد رأيت فيما نقلناه من حديث البخاري نفسه أنه صلّى الله عليه وسلم لم يدخل الكعبة حتى أخرج كل ما فيها من صور وأصنام، وقد روى أبو داود عن جابر رضي الله


(٦٧) راجع فتح الباري: ٣/ ٣٠٤، وشرح مسلم للنووي: ٩/ ٨٢
(٦٨) انظر النووي على مسلم. وطرح التثريب للحافظ العراقي: ٥/ ١٧٥

<<  <   >  >>