للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

واستبشر الناس خيرا بخروجه صلّى الله عليه وسلم إذ ذاك، ولكن البرحاء اشتدت عليه، وكان ذلك آخر مرة خرج يصلي فيها مع الناس. روى ابن مسعود رضي الله عنه قال: «دخلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يوعك، فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكا شديدا فقال صلّى الله عليه وسلم: أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، قال: فقلت: ذلك أن لك أجرين؟ ..

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: أجل، ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطّ الله به سيئاته كما تحطّ الشجرة ورقها» «١٢» .

كان صلّى الله عليه وسلم أثناء ذلك يطرح خميصة (غطاء) له على وجهه، فإذا اغتم وضايقه الألم كشفها عن وجهه فقال: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ١٣، كأنه صلّى الله عليه وسلم يحذّر المسلمين من أن يصنعوا صنيعهم به.

رسول الله صلّى الله عليه وسلم وسكرة الموت

وذلك هو حكم الله في عباده كلهم: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر ٣٩/ ٣٠] . فقد دخل فجر يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول من العام الحادي عشر للهجرة، وبينما الناس في المسجد يصلون حلف أبي بكر رضي الله عنه، إذا بالستر المضروب على حجرة عائشة قد كشف، وبرز رسول الله صلّى الله عليه وسلم من ورائه، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف، فقد ظن أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة، وهمّ المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله صلّى الله عليه وسلم، فأشار إليهم بيده صلّى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر «١٤» .

وانصرف الناس من صلاتهم، وهم يحسبون أن النبي صلّى الله عليه وسلم قد نشط من مرضه. ولكن تبين أنها كانت نظرة وداع منه صلّى الله عليه وسلم إلى أصحابه، فقد عاد عليه الصلاة والسلام فاضطجع إلى حجر عائشة رضي الله عنها، وأسندت رضي الله عنها رأسه إلى صدرها، وجعلت تتغشاه سكرة الموت، قالت: «وكان بين يديه ركوة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات» «١٥» . وكانت فاطمة رضي الله عنها إذا رأت منه ذلك قالت:


وعلى كل فالحادثة واحدة والحديث واحد ولا ينبغي عند التخريج الاقتصار على ذكر الطريق الضعيف والسكوت عن الطريق الصحيح أو المتفق عليه، لما في ذلك من الإبهام الواضح الذي يتحاشاه علماء الحديث.
(١٢) و (١٣) متفق عليه.
(١٤) رواه الشيخان.
(١٥) رواه البخاري في باب مرض الرسول صلّى الله عليه وسلم ووفاته، وفي باب سكرة الموت من كتاب الرقاق: ٧/ ١٩٢، ورواه الترمذي والنسائي وأحمد بطريق آخر بلفظ: «اللهم أعني على سكرات الموت» .

<<  <   >  >>