للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ووقع لابن خطيب القلعة الشيخ عبد الرحمن أخذ فلاحة تساوي عشرين كيساً بدون ثمنها من رجل يقال له محمد آغا بن قرندل، كان له عنده دراهم، فطلب منه الفلاحة فأبى أن يعطيه إياها، فألح عليه فباعه إياها في ذمته، وكانت رهناً عنده بحجة، فلم يسلمه إياها، فاشتكى عليه للباشا ليتسلمها في حضرته، فأفسد الباشا مشتراه، وخرب تلك الحجة وسلمه الفلاحة التي لم يستغرقها في قيمة دينه، وأخذها منه بدون ثمنها، فرفعها لصاحبها، وخرج من عند الباشا على مال بعد أن وضع في القيد بالشمس، وكان يعذب في ذلك، وما خرج وتخلص إلا بخمسة أكياس مال. وكان رام قتله وضبط ماله، وكان ذا ثروة باذخة، ربما يتكلم على مائتي كيس، وألغى دينه الذي كان له على ابن قرندل بحضور نائب القاضي.

[حكاية رابعة]

وسمع بفرس نواحي قرية سكيك لشيخها صبرة الشيعي، فجاؤوا بها، فأرسل للفلاح وكتب من أجلها عرض حال، مضمونه أنها ليست له، أوله شريك، الأمير منصور الدرزي وتقدم ذكره من جهة القصة التي صارت في الميدان. زمن أصلان باشا فلما سمع بذكر الأمير منصور غضب غضباً شديداً وقال: تخوفني بالأمير منصور، لو كان عندي لقتلته وقطعته إرباً إرباً. ثم إنه قيد الفلاح ووضعه في الشمس، وكان يسمى بالميطاح، ولولا أستاذه صادق آغا لقتله، فما خرج وتخلص إلا بها وخمسمايةً غرش، استدانها وأتى بها إليه.

[عدل الباشا وهيبته]

وكان ربما يحمي الداعي والمدعي. وركب على الدروز، وإن غالب الدروز رفعت فلاحتها من البقاع ورحلوا إلى الجبل، وكان جماعته تهابه كثيراً، فلا يقدر أحد يجيء إلى المدينة، بل خارج المدينة، لا يأوي أحد منهم، وكل من رأوه قتلوه وضربوه ضرباً كثيراً حتى يتلفوه، وأهرب العرب الجلالية، ولم يحصل منه للفقراء شيء.

[محاصرة ابن القواس في معان]

وفيه حوصر الأمير ابن القواس نواحي جنين بقلعة هناك لأنه تحارش بالنوايلة، وطلب منهم مالاً كان عليهم أيام كفالته عليها، وقصده كان تحريك الفتنة لوجود الباشا، لأنه يستعين به في قتالهم، لكن عارض ابن القواس باشة القدس ونابلس حالاً وهو سفر محمد باشا، وأرسل مصطفى باشا يقول له: احذر أنك لا تشوش عليهم بوجه من الوجوه فلم يمكن، فعجز عنهم، وهرب إلى القلعة وهو إلى الآن محاصر فيها، وقيل ضربه باشة القدس برمح في صدره فحمل إلى القلعة، وهو وجماعته إلى الآن محاصرون حتى أرسل طلب عونةً من باشة الشام محمد باشا ابن بيرم، فأرسل له عشرين بيرقاً من الصارجية.

وكان بيرم تولى نابلس والقدس ومسك من أهلها أُناساً دخل بهم إلى الشام مجنزرين حين تولاها وذلك سنة أربعة عشر بعد المائة وألف، ونسأله سبحانه اللطف.

[تولية السلطان أحمد]

وفي يوم الأحد خامس عشر جمادى الأُولى في السنة المذكورة، وردت الأخبار من الروم أنه جلس في الخلافة السلطان أحمد أخو السلطان مصطفى، وأن مصطفى خان خلع من الملك، لشدة اعتماده على شيخ الإسلام فيض الله أفندي، ولم يمكن أن يسلمه لهم لأنه أهمل أمر الخلافة، وأن شيخ الإسلام مستولي على عقله، ومن جهة المال الذي رتبه للنصارى على الأروام، ومن جهة الإذن بعمارة قلعة شمالي الروم، ومن جهة ما شاع عنه من الرفض، والله أعلم بحقيقة ذلك.

وكان شيخ الإسلام كلمة السلطان مصطفى ولا يفعل شيئاً إلا برأيه، حتى كان ينفذ كلامه على السلطان بل أمضى من كلمة السلطان، حتى يقدموا كلامه عليه، فلا ينفذ إلا رأيه، واستولى على أمور السلطنة كلها، فلذا جلس السلطان أحمد، وكان الجلوس نصف ربيع الأول من السنة المذكورة.

<<  <   >  >>