للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

بِالنَّاسِ فَفِيهِ جَوَازُ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ بِإِمَامَيْنِ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ، وَأَنَّ الْإِمَامَ الرَّاتِبَ إِذَا غَابَ يَسْتَخْلِفَ غَيْرَهُ، فَإِذَا حَضَرَ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ نَائِبُهُ فِي الصَّلَاةِ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ أَوْ يَؤُمَّ هُوَ وَيَصِيرُ النَّائِبَ مَأْمُومًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْطَعَ الصَّلَاةَ وَلَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ صَلَاةُ أَحَدٍ مِنَ الْمَأْمُومِينَ.

وَادَّعَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، وَنُوقِضَ بِأَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ، وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْجَوَازُ.

وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْإِمَامِ يُحْدِثُ فَيَسْتَخْلِفُ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَخْرُجُ الْمُسْتَخْلَفُ وَيُتِمُّ الْأَوَّلُ أَنَّ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي وَهُوَ تَحَامُلٌ، فَإِنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ لَمْ يَدَعْ ذَلِكَ وَلَمْ يُطْلِقِ الْإِجْمَاعَ إِنَّمَا قَالَ: هَذَا مَوْضِعُ خُصُوصٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا أَنَّ الْمَأْمُومِينَ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرِ حَدَثَ يَقْطَعُ صَلَاةَ الْإِمَامِ وَيُوجِبُ اسْتِخْلَافَهُ لَا يَجُوزُ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى هَذَا دَلِيلٌ عَلَى خُصُوصِ هَذَا الْمَوْضِعِ لِفَضْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَلِأَنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ أَنْ لَا يَتَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَهَذَا عَلَى عُمُومِهِ فِي الصَّلَاةِ وَالْفَتْوَى وَالْأُمُورِ كُلِّهَا، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ. . . . إِلَخْ.

وَفَضِيلَةُ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَجْهَلُهَا مُسْلِمٌ وَلَا يَلْحَقُهَا أَحَدٌ، وَأَمَّا سَائِرُ النَّاسِ فَلَا ضَرُورَةَ بِهِمْ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَوَّلَ وَالثَّانِي سَوَاءٌ مَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، وَمَوْضِعُ الْخُصُوصِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِئْخَارُ الْإِمَامِ لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، ثُمَّ ذِكْرُ مَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْهُ فَأَنْتَ تَرَاهُ قَيْدَ الْخُصُوصِيَّةِ بِقَوْلِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فَهُوَ نَقْلٌ لَا دَعْوَى، فَقَوْلُهُ: وَفِي إِجْمَاعِهِمْ يَعْنِي إِجْمَاعَ الْجُمْهُورِ لَا مُطْلَقًا كَمَا فَهِمَ الْمُعْتَرِضُ وَمِمَّنْ سَبَقَهُ إِلَى عَدِّ ذَلِكَ خُصُوصِيَّةُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ رَادًّا بِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: إِنَّهُ الْأَظْهَرُ.

(ثُمَّ انْصَرَفَ) مِنَ الصَّلَاةِ (فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ) عَلَى إِمَامَتِكَ (إِذْ) حِينَ (أَمَرْتُكَ) بِالْإِشَارَةِ، فَفِيهِ أَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ النُّطْقِ لِمُعَاتَبَتِهِ عَلَى مُخَالَفَةِ إِشَارَتِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى بِهِمْ جَازَ لِأَنَّ مَحَلَّ النَّهْيِ عَنِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَّا بِأَمْرِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَفِيهِ إِكْرَامُ الْكَبِيرِ بِمُخَاطَبَتِهِ بِالْكُنْيَةِ.

(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ) يَنْبَغِي (لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ) بِضَمِّ الْقَافِ وَخِفَّةِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرٍ أَسْلَمَ فِي الْفَتْحِ، وَتُوفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشَرَةَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَعَبَّرَ بِذَلِكَ دُونَ أَنْ يَقُولَ مَا كَانَ لِي أَوْ لِأَبِي بَكْرٍ تَحْقِيرًا لِنَفْسِهِ وَاسْتِصْغَارًا لِمَرْتَبَتِهِ (أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ) ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنْ يَؤُمَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَفِيهِ أَنَّ مَنْ أُكْرِمَ بِكَرَامَةٍ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْقَبُولِ وَالتَّرْكِ إِذَا فَهِمَ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ عَلَى اللُّزُومِ، وَكَانَتِ الْقَرِينَةُ الَّتِي بَيَّنَتْ لِأَبِي بَكْرٍ ذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَقَّ الصُّفُوفَ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ فَفَهِمَ أَنَّ مُرَادَهُ أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ وَأَنَّ أَمْرَهُ

<<  <  ج: ص:  >  >>