للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الكتاب ولم يقل: غلامي) .

وبعد هذه البداية، التي سنفهم بعدها سبب اختيار عبد العزيز لهذه الأعداد بالذات حالا، استكمل حديثه بقوله: ثم قدم بشر من سفره فقال لي: ألست تعلم أن يزيد غلامي، فقلت: قد كتبت إلي أربعة وخمسين كتابًا وقلت: ادفع هذا الكتاب إلى يزيد ولم تقل غلامي، وكتبت ولم أسمعك تقول غلامي - وأنا لا أجد ذلك إلا منك ولا أعرف خبره من أحد غيرك. وكتبت إلي ثمانية عشر كتابًا (ادفع إلى خالد غلامي هذا الكتاب) ، فعلمت بكتابك أنه غلامك. ثم كتبت إلي كتابًا جمعتهما فيه فقلت: (ادفع هذا الكتاب إلى خالد غلامي وإلى يزيد - ولم تقل غلامي، فمن أين أعلم أن يزيد غلامك ولست أعلم خبرهما من أحد غيرك؟) .

وسياقًا لهذه الواقعة، وما يترتب على حدوثها من نتائج، أراد عبد العزيز الوصول إلى أنها لو حدثت بهذه الكيفية، سيتهمه بشر بأنه فرط حيث لم يعلم أن يزيد غلامه من كتبه ولكن عبد العزيز يلقي المسئولية عن كاهله ويرى أن بشرًا هو المفرط، وأشرك المأمون في الشهادة فسأله: (فأينا المفرط يا أمير المؤمنين) ؟ فأقر المأمون بأن بشرًا هو المفرط (١) .

ومع غرابة هذه الواقعة التي يريد عبد العزيز القياس عليها، ظهرت دهشة بشر المريسي من غرضه فقال: (وأيش هذا مما نحن فيه تريد أن تثبت بهذا السؤال علي ما لم يكن مني كانت هذه المكاتبة وهذا الكلام) ؟

وحينذاك حسم عبد العزيز الموقف مستخدمًا القياس في البرهنة على ما ذهب إليه، فقال: (اسمع حتى تقف على ما أردت) ثم أردف قائلاً: يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل أخبرنا في كتابه بخلق الإنسان في ثمانية عشر موضعًا، ما ذكره في موضع منها إلا أخبر عن خلقه. وذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعًا فلم يخبر عن خلقه في موضع منها ولا أشار إليها بشيء من صفات الخلق، ثم جمع القرآن والإنسان في آية من كتابه فأخبر عن الخلق للإنسان ونفى الخلق عن القرآن، فقال الله عز وجل: الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) [الرحمن، الآية: ١ - ٤]


(١) الحيدة ص ٥٤.

<<  <   >  >>