للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وهكذا استطاع ابن تيمية باستخدامه لمنهج (المعادلة والموازنة) أن يحدد مدى الاقتراب والابتعاد عن طريقة السلف، محاولاً البرهنة على أن المحدثين الذين تنسحب الشروط السالف الإشارة إليها عليهم - هم الممثلون الحقيقيون لشيوخ السلف لأنهم (اعتمدوا في دينهم على استنباط النصوص، لا على خيال فلسفي، ولا رأي قياسي ولا غير ذلك من الآراء المبتدعات) (١) .

أما سبب ذيوع المذهب الأشعري في رأي شيخ الإسلام فيرجع إلى العوامل

الآتية:

أولاً: كثرة الحق الذي يقولونه وظهور الآثار النبوية عندهم.

ثانيًا: لبسهم ذلك لمقاييس عقلية ظنوا أنها صحيحة بينما هي في الواقع موروثة عن تيار خارجي من الفلسفة وغيرها، وظنوا أيضًا أنه لم يمكن التمسك بالآثار النبوية في مواجهة المعتزلة بهذا الوجه.

ثالثًا: ضعف الآثار النبوية في عصورهم الموضحة لسبيل الهدى.

رابعا: تقصير المنتسبين للسنة. ويحملهم ابن تيمية مسؤولية ما حدث ناقدًا لبعضهم بقوله: (إنهم تارة يروون ما لا يعلمون صحته وتارة يكونون كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ويعرضون عن بيان دلالة الكتاب والسنة على حقائق الأمور) (٢) .

[طريقة السلف أعلم وأحكم]

وبعد، فإن الغالب على القضايا المتنازع عليها أصبحت لها الصبغة التاريخية لأن الاهتمامات الثقافية والعلمية والدينية حينذاك هي الدافعة لجعلها الأولى بالبحث والمناقشة، ولكن لهذه القضايا نفسها جانبٌ ما زال يستحق الاهتمام والدراسة باعتباره يلقي الضوء على الصلة بين الاتجاهين النصي والعقلي، ولا يمكن تجاهل النقاش الدائر بينهما، فإن الإنسان بمكوناته العقلية والنفسية وثقافته المصطبغة أحيانًا بصبغة العصر الذي يعيش فيه، كل ذلك قد يؤثر عليه تأثيرًا كبيرًا عند تطلعه في


(١) نفس المصدر ٨١.
(٢) ابن تيمية: فتاوى ج ١٢ ص ٢٣.

<<  <   >  >>