للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الأرض كما قال تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) [الرحمن، الآية: ٢٦] ثم يعيده من التراب كما خلقه ابتداء من التراب ويخلقه خلقًا جديدًا، ولكن للنشأة الثانية أحكام وصفات ليست للأولى، فمعرفة الإنسان بالخلق الأول وما يخلقه من بني آدم وغيرهم من الحيوانات وما يخلقه من الشجر والنبات والثمار، وما يخلقه من السحاب والمطر وغيرهما من المخلوقات، هو أصل لمعرفته بالخلق بالمبدأ والمعاد. وهكذا تنهار الأصول التي استحدثها المتكلمون وظنوها عقلية.

المثال الثاني: طريقة المتكلمين في إثبات الصانع.

وهي الطريقة التي ابتدعها أهل الكلام، زاعمين أنها طريقة عقلية صحيحة وخلاصتها أن الله تعالى لا يعرف إلا بالنظر والاستدلال المفضي إلى العلم بإثبات الصانع ولا طريق إلى ذلك إلا بإثبات حدوث العالم. وطريقتهم في إثبات حدوث العالم مبنية على الاستدلال بالأعراض أو ببعض الأعراض: كالحركة والسكون أو الاجتماع والافتراق وهي الأكوان فإن الجسم لا يخلو منها وهي حادثة، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، فاضطرهم ذلك إلى القول بحدوث كل موصوف فنفوا عن الله تعالى الصفات وقالوا بأن القرآن مخلوق وأنه لا يرى في الآخرة (١) .

وأدى ذلك إلى نتائج مشابهة إلى زعم الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم العالم، إذ أثاروا الفلاسفة عليهم فقالوا: (هذه الطريقة تستلزم كون الصانع كان معطلا عن الكلام والفعل دائمًا إلى أن أحدث كلامًا وفعلاً بلا سبب أصلاً، وهذا مما يعلم بطلانه بصريح العقل) (٢) .

وبعد فإننا نرى من وجهة نظر الباحثين في نظرية المعرفة، كيف حددها القرآن الكريم مفصلاً الحديث عن الأحاسيس والعقل والشعور مثيرًا في الإنسان كوامن الفطرة الموحدة بآية الميثاق، مدللاً على صدق النبوة والرسالة والتوحيد وعالم الغيب بأدلة يمتزج بها العقل والوجدان لأن الخطاب موجه إلى الإنسان على الحقيقة بفطرته وروحه وقلبه ووجدانه وأحاسيسه وشعوره وعقله، فكان التوجيه الإلهي للإنسان بهذا المفهوم والتكوين الذي خلقه به الله تعالى، وفي الوقت نفسه


(١) ابن تيمية: شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٨.
(٢) ابن تيمية: الصفدية ج ١ ص ٢٧٥ تحقيق د. محمد رشاد سالم. مطابع حنيفة - الرياض ١٣٩٦ هـ ١٩٧٦م.

<<  <   >  >>