للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

إن فيصل التفرقة إذن بين المنهجين: أن علماء الحديث والسنة تقيدوا بطريقة الأوائل في النظر واستندوا في ذلك إلى الكتاب والسنة والإجماع والنظر في الأدلة الشرعية، وذلك بخلاف أهل الكلام الذين استخدموا اصطلاحات الفلسفة اليونانية.

وبهذه الصفة وبهذا التمييز وصف بأنه أشرف العلوم باعتباره علم أصول الدين إذ شرف العلم بشرف المعلوم، وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع (١) .

وغايته: أن يصير الإيمان والتصديق بالأحكام الشرعية متقنًا محكمًا لا تزلزله شبه المبطلين، فيتصدى للمعاندين بإقامة الحجج والبراهين وصحة النية والاعتقادات الإسلامية التي يقع بها العمل في حيز القبول.

وثمرته: الفوز بسعادة الدارين فمنفعته في الدنيا انتظام أمر المعاش بالمحافظة على العدل والمعاملة التي يحتاج إليها في إبقاء النوع الإنساني على وجه لا يؤدي إلى الفساد وفي الآخرة: النجاة من العذاب المترتب على الكفر وسوء الاعتقاد (٢) .

والمقصود بذلك أن موضوعاته تتصل بالإيمان بالله سبحانه وتعالى ذاتًا وصفاتًا، ويقتضي الإيمان بصفات الله تعالى من العلم والقدرة والحكمة والسمع والبصر وباقي الصفات والأسماء الحسنى التي أثبتها الله تعالى لنفسه، تؤدي في الدنيا إلى المراقبة والتقوى، واعتقاد المسلم بموضوعاته من الإيمان بعالم الغيب ومعرفة تفاصيله من عذاب القبر وهول المطلع والحساب وصفات الجنة والنار والصراط وغير ذلك، هذه المعرفة التفصيلية تعطيه إيمانًا مفصلاً يدفعه إلى خشية الله تعالى ومراقبته وتقواه في السر والعلن كما تجعله يتجه إلى مرضاة الله طمعًا في جنته وخوفًا من ناره. ومحصلة ذلك كله إقامة العدل بين الناس وتحقيق السعادة المتاحة على المستوى البشري في الدنيا ثم النعيم المقيم الخالد في الجنة.

ودخل علم الكلام عند علماء السنة دور التدوين والتبويب منذ الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - وصار إمام أهل السنة، وسبب ذلك أنه عندما ابتلي بالمحنة، وراج في عصره مذاهب الاعتزال، اضطر إلى إظهار عقيدة الأوائل والدفاع عنها وشرح ما التبس على أفهام المعتزلة والكشف عن خطأ منهجهم، وهو


(١) شرح الطحاوية ص ١.
(٢) شرح عقيدة السفاريني ج ١ ص ٦٦.

<<  <   >  >>