للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال صلى الله عليه وسلم: (السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار. والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار. والجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل). وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة خب ولا بخيل ولا منان). فأما البخيل فإنه بخل لمخالفته بما رضى الله تعالى به لنفسه من المعاملة، ويمدح بها، وأوجب على عباده شكره عليها. وفيه أن الناس كلهم ليسوا بأغنياء ولكن منهم فقراء وأوساطًا. فإذا شح الغني بماله ضاق الأمر على من ليس له في مثل حاله، وذلك لؤم بالغني وقسوة، ويسوء دخله أن يرى بأخيه المسلم حاجة وهو قادر أن يقضيها له ويبلغ فيها مراده من غير ضرر يرجع عليه، فيتركه مرتبكًا في حاجته، مهتمًا بأمر نفسه لا لغرض يكون له في ذلك، أكثر من الإشفاق على ماله أن ينقص ذلك النقص إذا دفع، لم يبن عليه منه أثر، ولا لحقه لأجله ضرر. فلما كان هذا في العادات المعقولة كما ذكرنا، وفي الشريعة مخالفًا لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) استحق أن يكون مذمومًا.

وأيضًا فإن البخيل مغرور بماله وهو عند نفسه محتاط. لأنا قد ذكرنا في الوجه الذي قيل، هذا ما في الجدد من الاحتياط والنظر في الجواد، وحبًا في الإمساك من التغرير. وكل ما قلنا فيه، فهو من البخيل بخلافه.

وأيضًا فإن المنفق ماله في الشهوات أنفق ولا لوجه الله تصدق فهو المحروم الذي خسر الدنيا والآخرة، ولو عدم المال فقال ذلة العدم لكان خيرًا له من أن يجد فيحرم فائدة الوجد، فيكون المال وبالًا عليه، والنكر حاصلًا له وواصلًا إليه. ولولا أن ذلك كذلك، لا شبه أن لا يقول الله عز وجل {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}.

فصل

وقد تتفق أحوال وداد الجود والسماحة فيها فضلًا، نحو إن شكر قوم يجوز وعد غيرهم من فضول المال ما يقدرون به على تخليصهم، أو نفع حاجة إلى عمارة مسجد

<<  <  ج: ص:  >  >>