للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

بالملائكة، وبدعائهم واستغفارهم، وما يحصل لأهله من الثواب والبركة) (١) اهـ.

قلت: ومن الخير الموعود به تربية أهل البيت من الصغار والنساء على محبة الصلاة والعناية بها، والقيام بها على أكمل الوجوه.

المسألة الثانية: مما دلت عليه أحاديث هذا الحكم: أن فيها إشارة إلى الحكمة من الأمر بالتحول من مكان الفريضة أو الكلام بعدها، وهي الفصل بين الفريضة والنافلة والتمييز بينهما (٢).

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (والسنة أن يفصل بين الفرض والنفل في الجمعة وغيرها، كما ثبت عنه في الصحيح أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نهى أن توصل صلاة بصلاة، حتى يفصل بينهما بقيام أو كلام، فلا يفعل ما يفعله كثير من الناس؛ يصل السلام بركعتي السنة، فإن هذا ركوب لنهي النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

وفي هذا من الحكمة التمييز بين الفرض وغير الفرض، كما يميز بين العبادة وغير العبادة.

ولهذا استحب تعجيل الفطور، وتأخير السحور، والأكل يوم الفطر قبل الصلاة، ونهي عن استقبال رمضان بيوم أو يومين. فهذا كله للفصل بين المأمور به من رمضان وغير المأمور به، والفصل بين العبادة وغيرها، وهكذا تمييز الجمعة التي أوجبها الله من غيرها.

وأيضًا فإن كثيرًا من أهل البدع كالرافضة وغيرهم لا ينوون الجمعة، بل ينوون الظهر، ويظهرون أنهم سلموا وما سلموا، فيصلون ظهرًا، ويظن الظان أنهم يصلون السنة، فإن حصل التمييز بين الفرض والنفل كان في هذا منع لهذه البدعة) (٣).

وما ذكره الشيخ -رحمه الله- موجودًا الآن لا سيما في الحرمين الشريفين، حيث ترى العدد الكثير من المصلين بمجرد السلام ينهضون لأداء السنة البعدية، ولا ريب أن هذا ارتكاب للنهي، وقد يكون فيهم من أهل البدع، كما ذكر -رحمه الله-.

وقد ذكر العلماء حكمة أخرى وهي تكثير مواضع العبادة، نسب ذلك الشوكاني إلى البخاري والبغوي (٤)؛ لأن مواضع العبادة، تشهد للعابد أخذًا من عموم قوله تعالى: {فما بكت عليهم السماء والأرض} [الدخان: ٢٩] أي: أن الأرض تبكي على صاحب الطاعة (٥)، وكذا قوله تعالى: {يَؤمَئذٍ تُحَدِّثُ أخبَارَهَا} [الزلزلة: ٤] أي: تشهد على العاملين بما عملوا على ظهرها، من خير وشر، فإن الأرض من جملة الشهود الذين يشهدون على العباد بأعمالهم (٦). والله أعلم.

الحكم السابع عشر من دخل المسجد وقد فاتته الصلاة فوجد من يصلي صلّى معه

من دخل المسجد وقد فاتته الجماعة فإما أن يجد من يصلي، أو لا، فإن وجد جماعة يصلون صلى معهم، وإن وجد منفردًا يصلي تلك الصلاة بأمارة دخل معه، وصار الأول إمامًا للثاني، فتصح نية الإمامة في أثناء


(١) المفهم (٢/ ٤١١).
(٢) أعلام الموقعين (٣/ ١٥٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٠٢).
(٤) نيل الأوطار (٣/ ٢٢٤).
(٥) تفسير ابن كثير (٧/ ٢٣٩).
(٦) تفسير ابن سعدي (٥/ ٤٥٥).

<<  <   >  >>