للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[الحذر من البيع والشراء في المسجد:]

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك. وإذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا: لا رد الله عليك" (١).

وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نهى عن الشراء والبيع في المسجد (٢).

وروى مالك: أن عطاء بن يسار كان إذا مر عليه بعض من يبيع في المساجد دعاه فسأله: ما معك، وماذا تريد؟ فإن أخبره أنه يريد أن يبيعه قال: عليك بسوق الدنيا، وإنما هذه أسواق الآخرة (٣).

وإنما نهي عن البيع والشراء في المسجد؛ لما يصاحب ذلك من اللغط ورفع الصوت وتلويث المسجد بمخلفات البيع ونحو ذلك مما يفقد المساجد حرمتها ومكانتها؛ فإن المساجد لم تبن لهذا، وإنما بنيت لذكر الله تعالى والصلاة والعلم، والبيع والشراء ونشد الضالة إخراج لها عن وظيفتها التي قررها الشرع، ويلحق بالبيع ما في معناه من الإجارة والرهن والقرض ونحوها من العقود.

[الحذر من استدعاء النوم بالنعاس:]

ينبغي للجالس في المسجد ألا يكون للنوم أو النعاس عليه سبيل، ولا سيما مع طول المكث كيوم الجمعة، ولا ريب أن النعاس قد يكون من الأمور القهرية إلا أنه يمكن تفادي ذلك براحة تامة قبل الحضور إلى المسجد، ولا سيما يوم الجمعة، ولا يليق بمسلم أن يجعل اليقظة وقوة الانتباه في الأسواق، ويجعل حظ المسجد النوم والنعاس.

كما ينبغي استدعاء النعاس بسبب من الأسباب كالاستناد إلى جدار، أو خفض الرأس، بل يشتغل الجالس بما تقدم، ولا سيما تلاوة القرآن.

ومن الناس من لا يبالي بذلك ولو كان في مجلس من المجالس ما كان للنعاس عليه من سبيل، فليحرص المسلم على اغتنام الأوقات لا سيما في أفضل البقاع وهي المساجد، وقد أرشد النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من ينعس إلى علاج ميسور؛ فقد ورد عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول: "إذا نعس أحدكم وهو في المسجد فيتحول من مجلسه ذلك على غيره" (٤).

قال الشوكاني: (والحكمة في الأمر بالتحول: أن الحركة تذهب النعاس، ويحتمل أن الحكمة فيه انتقاله من المكان أصابته فيه الغفلة بنومه وإن كان النائم لا حرج عليه، فقد أمر النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في قصة نومهم عن صلاة الصبح في الوادي بالانتقال منه، وأيضًا من جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة، والنعاس في الصلاة من الشيطان، فربما كان الأمر بالتحول لإذهاب ما هو منسوب إلى الشيطان من حيث غفلة الجالس عن


(١) رواه مسلم (٥٦٨)، وأبو داود (٤٧٣)، والترمذي (١٣٢١)، واللفظ له.
(٢) رواه الترمذي (٣٢٢)، وأبو داود (١٠٧٩)، والنسائي (٢/ ٤٧)، وإسناده حسن. انظر: صحيح أبي داود (١/ ٢٠١).
(٣) رواه مالك في الموطأ (١/ ١٧٤).
(٤) أخرجه أبو داود (١١١٩)، واللفظ له، والترمذي (٥٢٦)، بلفظ: (يوم الجمعة)، والبيهقي (٣/ ٢٧٣)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. اهـ. وفيه عنعنة محمد بن إسحاق، لكن أخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٣٥)، فصرح فيه ابن إسحاق بالتحديث، فزالت شبهة تدليسه، لكن قال البيهقي عقبه: (ولا يثبت رفع هذا الحديث، والمشهور عن ابن عمر من قوله). لكن ذكر الألباني أن المرفوع يتقوى بأن له طريقًا أخرى وشاهدًا، ثم ذكر ذلك. انظر: جامع الأصول (٥/ ١٩٤)، والصحيحة للألباني (٤٦٩).

<<  <   >  >>