للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

أَلَكَ رَغْبَةٌ فِي الْمَبِيعِ؟ فَإِنْ أُرِيدَ الْإِقَالَةَ أَقَالَهُ، فَيُوَافِقُ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ مَعْنًى، وَهَذَا فِي تَنْزِيهٍ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حِلِّ الْمُفَارَقَةِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الْآخَرِ وَلَا عِلْمِهِ، وَيُرِيدُ مَذْهَبُنَا أَيْضًا إِطْلَاقَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: ١] وَهَذَا عَقْدٌ قَبْلَ التَّخْيِيرِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: ٢٨٢] أَمْرٌ بِالتَّوَثُّقِ بِالشَّهَادَةِ حَتَّى لَا يَقَعَ التَّجَاحُدُ لِلْبَيْعِ وَالْبَيْعُ يُصَدَّقُ قَبْلَ الْخِيَارِ بَعْدَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، فَلَوْ ثَبَتَ الْخِيَارُ وَعَدَمُ اللُّزُومِ قَبْلَهُ كَانَ إِبْطَالًا لِهَذِهِ النُّصُوصِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْمَلِكُ الْمُسْتَعَانُ: وَأَمَّا حَدِيثُ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ حَيْثُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «إِذَا ابْتَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ وَلِيَ الْخِيَارُ» ) فَقَدْ أَثْبَتَ لَهُ اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ وَأَخَّرَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خِيَارَ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالِاشْتِرَاطِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ لَا أَصْلِ الْخِيَارَ، وَعَلَى هَذَا فَالتَّفَرُّقُ الَّذِي هُوَ غَايَةُ قَبُولِ الْخِيَارِ بِتَفَرُّقِ الْأَقْوَالِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْآخَرُ بَعْدَ الْإِيجَابِ: لَا أَشْتَرِي أَوْ يَرْجِعُ الْمُوجِبُ قَبْلَ الْقَبُولِ وَإِسْنَادُ التَّفَرُّقِ إِلَى النَّاسِ مُرَادًا تَفَرُّقُ أَقْوَالِهِمْ كَثِيرٌ فِي الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ: قَالَ - تَعَالَى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} [البينة: ٤] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " «افْتَرَقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» " وَحِينَئِذٍ فَيُرَادُ بِأَحَدِهِمَا فِي قَوْلِهِ: أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرِ الْمُوجِبَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ إِيجَابِهِ لِلْآخَرِ اخْتَرْ أَتَقْبَلُ أَوْ لَا؟ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: اخْتَرْ يَلْزَمُ الْبَيْعُ، بَلْ حَتَّى يَخْتَارَ الْبَيْعَ بَعْدَ قَوْلِهِ: اخْتَرْ فَكَذَا اخْتِيَارُ الْقَبُولِ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَعَلَى النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَتِمُّ بِلَا خِيَارِ الْمَجْلِسِ، بَلْ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الرِّضَا فَكَذَا الْبَيْعُ اهـ مُلَخَّصًا. قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: عَنْ تَرَاضٍ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ أَيْ: لَا يَتَفَرَّقَنَّ اثْنَانِ إِلَّا تَفَرُّقًا صَادِرًا عَنْ تَرَاضٍ. قَالَ الْأَشْرَفُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّفَرُّقُ بَيْنَ الْعَاقِدِينَ لِانْقِطَاعِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ إِلَّا بِرِضَاهُمَا اهـ، وَتَقَدَّمُ أَنَّهُ يَجُوزُ إِجْمَاعًا وَالنَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ قَالَ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لَهُمَا، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِهَذَا الْقَوْلِ حِينَئِذٍ اهـ وَأَنْتَ عَلِمْتَ مَعْنَى الْقَوْلِ فِيمَا سَبَقَ وَتُحِقِّقَ.

<<  <  ج: ص:  >  >>