للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يقول ابن القيم: (فارجع الآن إلى النطفة وتأمل حالها أولا وما صارت إليه ثانيا، وأنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يخلقوا لها سمعا أو بصرا أو عقلا أو قدرة أو علما أو روحا بل عظما واحدا من أصغر عظامها بل عرقا من أدق عروقها بل شعرة واحدة لعجزوا عن ذلك، بل ذلك كله آثار صنع الله الذي أتقن كل شيء في قطرة من ماء مهين، فمن هذا صنعه في قطرة ماء فكيف صنعه في ملكوت السماوات وعلوها وسعتها واستدارتها وعظم خلقها وحسن بنائها وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها ومقاديرها وأشكالها) (١).

يقول تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) [الأعراف: ١٧٢].

ويقول جل ثناؤه: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) [الطارق: ٥ - ٧].

تشير الآية الأولى أن الله سبحانه وتعالى أخذ من ظهور بني آدم ذريتهم، وذلك في عالم الذر، وأشهدهم على أنفسهم الإقرار بربوبية الله سبحانه وتعالى وعبوديتهم لخالقهم. وموطن الشاهد في الآية أن مكمن الذرية هي الظهور، وتشير الآيات في سورة الطارق إلى أن الماء الدافق مصدره من بين الصلب والترائب، يقول خبراء علم الأجنة: إن الجنين عند تكوينه في الرحم تنبت الخصيتان في ظهره عند أسفل الكليتين تماما وتبقيان كذلك في ظهره حتى أشهره الأخيرة في بطن أمه ثم تنحدران إلى الأسفل، وعند الولادة تكونان في المركز المعتاد.

وكذلك مركز المبيض في الأنثى فإنه في الظهر تماما تحت الكلية ذكرا كان أم أنثى، ومعلوم أن الخصيتين والمبيض هما مستقرا النطفة التي


(١) «مفتاح دار السعادة» ١/ ١٩٦.

<<  <   >  >>