للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

استولت عليه وأخذت في طرفيه ووسطه، وتقول: اشتعلت النار في البيت، فلا يفيد ذلك، بل لا يقتضي أكثر من وقوعها فيه، وإصابتها جانبا منه، فأما الشمول وأن تكون قد استولت على البيت وابتزته فلا يعقل من اللفظ البتة) (١).

(ونظير هذا في التنزيل قوله عزّ وجلّ: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً [القمر: ١٢] التفجير للعيون في المعنى، وأوقع على الأرض في اللفظ، كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس، وقد حصل بذلك من معنى الشمول هاهنا مثل الذي حصل هناك، وذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها، وأن الماء قد كان يفور من كل مكان منها، ولو أجري اللفظ على ظاهره، فقيل: وفجّرنا عيون الأرض، أو العيون في الأرض، لم يفد ذلك، ولم يدل عليه، ولكان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض، وتبجس من أماكن منها.

واعلم أن في الآية الأولى شيئا آخر من جنس النظم، وهو تعريف الرأس بالألف واللام وإفادة معنى الإضافة من غير إضافة، وهو أحد ما أوجب المزية، ولو قيل: واشتعل رأسي، فصرح بالإضافة لذهب بعض الحسن فاعرفه .. ) (٢).

[ومن أمثلة عبد القاهر الجرجاني على حذف المفعول للعناية بنفس الفعل]

(وإن أردت أن تزداد تبيينا لهذا الأصل- أعني وجوب أن تسقط المفعول لتتوفر العناية على إثبات الفعل لفاعله ولا يدخلها شوب- فانظر إلى قوله تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ [القصص: ٢٣، ٢٤].

ففيها حذف مفعول في أربعة مواضع، إذ المعنى: وجد عليه أمة من الناس


(١) دلائل الإعجاز ص ١٣٢ - ١٣٣.
(٢) «دلائل الإعجاز» ص ١٣٣ - ١٣٤، ط مكتبة القاهرة.

<<  <   >  >>