للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وسأل بشرًا (أتدري يا بشر ما معنى هذا؟ وأي شيء مما نحن فيه؟) . فطالبه المأمون بالإجابة بنفسه على هذا السؤال شرحًا وتفسيرًا فاستكمل ذلك بقوله: (يا أمير المؤمنين يعني بقوله هذا ولو أن ما في الأرض من جميع الشجر والخشب والقصب أقلام يكتب بها، والبحر مداد يمده من بعده سبعة أبحر، والخلائق كلهم يكتبون بهذه الأقلام من هذا البحر، ما نفدت كلمات الله، فمن بلغ عقله وفهمه وفكره كنه عظمة الله وسعة علمه؟!!

وقال سبحانه وتعالى: (لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) [الكهف، الآية: ١٠٩] فمن يحد هذا أو يصفه أو يدعي علمه، وقد عجزت الملائكة المقربون عن علم ذلك واعترفوا بالعجز عنه فقالوا: (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [البقرة، الآية: ٣٢] ؟

وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) .

وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن علم الساعة فقال: (علمها عند ربي من خمس لا يعلمها إلا هو) وتلا: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) [لقمان، الآية: ٣٤] فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذه الخمس مما تفرد الله بعلمها، فلا يعلمها إلا هو، فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يعلم من علم الله إلا ما علمه، فكيف يجوز لأحد من أمته أن يتكلف علمًا أو يدعي معرفة) (١) .

ويبدو من تعليق عبد العزيز أنه غضب بسبب هذا السؤال الذي لا محل له للإجابة عنه واضطر إلى إفحامه بنصوص التنزيل لبيان أن مثل هذا السؤال منهي عنه من قبل الله تعالى، فقال عبد العزيز: (إنك لتأمرني بما نهاني الله عنه وحرم علي القول به، وتأمرني بما أمرني به الشيطان، ولست أعصي ربي وأرتكب نهيه وأطيع الشيطان وأتبع أمره وأمرك إذا كنتما قد أمرتماني بخلاف ما أمرني به ربي، بل نهاني) !!


(١) الحيدة ص ٢٦- ٢٧.

<<  <   >  >>