للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وتشير رواية أخرى إلى أن المأمون (٢١٨ هـ) هو الذي طلب من صاحب جزيرة "قبرص" خزانة كتب اليونان، وكانت عندهم في بيت لا يظهر عليه أحد فأشار عليه خواصه بإجابة المأمون إلى طلبه بهدف إحداث الفتن بينهم (فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين علمائها) (١) .

ومن المحتمل أن الرواية قد حدث فيها بعض الإضافات إلا أنه من الثابت أن المأمون قد شجع عملية الترجمة والخوض في علم الكلام، ولذا فإن "ابن تيمية"، كان يعلق على ذلك بقوله (ما أظن أن الله يغفل عن المأمون ولا بد أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخاله هذه العلوم بين أهلها) (٢) .

ويلحظ الباحث إجماع مؤلفي كتب الفرق على إرجاع ظهور المشكلات الكلامية إلى تيار خارجي، ولا يمكن أن يكون هذا الإجماع إلا صدى لحقيقة تاريخية ثابتة أمامهم فنقلوها نقلاً متواترًا بعضهم عن بعض.

والعبارة المذكورة في كتب الفرق والتاريخ تكاد تتشابه فتذكر أسماء من أثار المشاكل والمتتبع لها وناقلها إلى محيط الثقافة الإسلامية فتذكر: (أن البدع فشت أصلاً بعد القرون الثلاثة وإن كان قد نبع أصلها في أواخر عصر التابعين، فإن أصل مقالة نفي صفات الله تعالى - أي التعطل للصفات - إنما هو مأخوذ من تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين، فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام هو "الجعد بن درهم" وأخذها عنه "الجهم بن صفوان" وأظهرها فنسبت إليه، وقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن "أبان بن سمعان"، وأخذها "أبان" عن "طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم) اليهودي الساحر الذي سحر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان الجعد هذا فيما قيل من أهل حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين النمرود الكنعانيين الذين صنف بعض الساحرين في سحرهم. والنمرود هو ملك الصابئة إذ ذاك إلا قليلاً منهم على الشرك، وعلماؤهم الفلاسفة.. وكثر من الصابئة


(١) ن. م ص ٤١.
(٢) ن. م ص ٤٢.

<<  <   >  >>