للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[المطلب الثالث: الاستنباطات الأصولية.]

اعتنى الخطيب - رحمه الله - بالاستنباط في أصول الفقه، وتميَّز بدقة هذه الاستنباطات وقوّتها، وتأتي استنباطاته الأصولية في المرتبة الرابعة (١) من إجمالي مجموع الاستنباطات عنده.

ومن أمثلة الاستنباطات الأصولية عند الخطيب:

- عند قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [الزمر: ٧١].

قال الخطيب - رحمه الله -: (في الآية دليل على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع؛ لأن الملائكة بيَّنوا لهم أنهم ما بقي لهم عذر ولا على بعد مجيء الرسل عليهم الصلاة والسلام، فلو لم يكن مجيء الرسل شرطاً في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدة) (٢).

- وعند قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: ٦٣]

قال الخطيب - رحمه الله -: (الآية تدل على أن الأمر للوجوب؛ لأن تارك الأمور مخالف للأمر، ومخالف الأمر يستحق العذاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك). (٣)

- وعند قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ} [الأحقاف ٢٠]

قال الخطيب - رحمه الله -: (دلَّت الآية على أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ لأنّ الله تعالى علَّل عذابهم بأمرين؛ أولهما: الكفر، وثانيهما: الفسق، وهذا الفسق لا بدّ وأن يكون مغايراً لذلك الكفر، لأنّ العطف يوجب المغايرة فثبت أنّ فسق الكفار يوجب العقاب في حقهم ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيات) (٤).


(١) بعد الاستنباطات العقدية، والتربوية، والفقهية حيث بلغت (٢٩) استنباطاً من بين مجموع الاستنباطات.
(٢) السراج المنير (٣/ ٤٥٥)
(٣) السراج المنير (٢/ ٦٤٥)
(٤) السراج المنير (٣/ ٧٢٣)

<<  <   >  >>