للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

في العبارة إلا ضَيِّقُ العَطَنِ، صغيرُ العقل، ضعيفُ العلم.

وتأمَّلْ قولَهُ ﷿ في "الواقعة": ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٦٠]، كيف ذكر مَبْدَأَ النَّشْأَةِ وآخِرَها؛ مستدِلًّا بها على النَّشْأَة الثانية (١) بقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٠، ٦١]، فإنكم إنَّما علمتم "النَّشْأَةَ الأُولى" في بطون أمهاتكم ومبدؤها ممَّا تُمْنُون، ولن نُغْلَب على أن نُنشِئكم نشأةً ثانيةً فيما لا تعلمونه، فإذا أنتم (٢) أمثال ما كنتم في الدنيا في صوركم وهيئاتكم. وهذا من كمال قدرة الرَّبِّ ومشيئته، لو تذكرتم أحوال "النَّشْأَة الأُولَى" لَدَلَّكُم ذلك على قدرة مُنْشِئِها على النَّشْأَة التي كَذَّبْتُم بها.

فأَيُّ استدلالٍ وإرشادٍ أحسنُ من هذا، وأقربُ إلى العقل والفهم، وأبعدُ من كلِّ شبهةٍ وشَكٍّ؟ وليس بعد هذا البيان والاستدلال إلا الكفر بالله وما جاءت به رسله أو الإيمان.

وقال - تعالى - في "سورة الإنسان": ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: ٢٨] فهذه النَّشْأَةُ الأُولَى، ثُمَّ قال: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨)﴾ فهذه النَّشْأَةُ الأُخْرَى. ونظير هذا: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)[النجم: ٤٥ - ٤٧]، وهذا في القرآن كثيرٌ جدًا، يَقْرِنُ بين النَّشْأتين مُذكِّرًا للفِطَرِ والعقولِ بإحداهما على الأخرى. والله أعلم.


(١) بعدها في جميع النسخ زيادة: الأولى! وهي مقحمة.
(٢) بعدها في (ز) و (ن) و (ك) و (ط) زيادة: أما! ولا مكان لها.

<<  <  ج: ص:  >  >>