للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

العَمَليِّ في باب الأمر والنَّهْي.

وهذا بابٌ حرامٌ على الجَهْميِّ المُعَطِّلِ أن يَلِجَهُ، وجَنَّةٌ حرامٌ عليه رِيحُها، وإنَّ ريحَها ليوجد من مسيرة خمسين ألف سنة. والله العزيز الوهَّاب، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وبه التوفيق.

فصل

ثُمَّ وبَّخَهُم - سبحانه - على وَضْعِهم الإدْهَانَ (١) في غير موضعه، وأنَّهم يُدَاهِنُون بما حَقُّه أن يُصْدَعَ به، ويُفَرَّقَ به، ويُعَضَّ عليه بالنَّواجذ، وتُثْنى عليه الخَنَاصِر، وتُعْقَدَ (٢) عليه القلوبُ والأفئدة، ويُحَارَبَ ويُسَالَمَ لأجله، ولا يُلْتَوَى عنه يَمْنَةً ولا يَسْرَةً، ولا يكون للقلب التفاتٌ إلى غيره، ولا محاكمةٌ إلا إليه، ولا مخاصمةٌ إلا به، ولا اهتداءٌ في طُرُق المطالب العالية إلا بنُوره، ولا شفاءٌ إلا به، فهو روحُ الوجود، وحياة العالم، ومدار السعادة، وقائدُ الفلاح، وطريقُ النَّجاة، وسبيلُ الرَّشاد، ونورُ البصائر، فكيف تُطْلَبُ المُدَاهَنَةُ بما هذا شأنه، ولم ينزل للمُدَاهَنة؟ وإنَّما أُنزل بالحقِّ وللحقِّ.

والمُدَاهَنة إنَّما تكون في باطِلٍ قَوِيٍّ لا يمكن إزالته، أو في حَقٍّ ضعيفٍ لا يمكن إقامته، فيحتاج المداهِنُ إلى أنْ يترك بعض الحقِّ، ويلتزم بعض الباطل، فأمَّا الحقُّ الذي قام به كلُّ حَقٍّ فكيف يُدَاهن به؟

ثُمَّ قال سبحانه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)[الواقعة: ٨٢]،


(١) "الإدْهَان": المُدَارَاةُ، والمُلَايَنَةُ، وتركُ الجِدِّ. "مفردات الراغب" (٣٢٠).
(٢) في جميع النسخ: تعتقد، والصواب ما أثبته.

<<  <  ج: ص:  >  >>