للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[ادعاء النبوة]

[لإدعاء النبوة سببان في نظري]

الأول: زعمهم أن من ادعى النبوة إنما سلك ذلك تبعا لمن سبق، أو أنه تعلم ذلك من الكهان، أو أنه شعرٌ تلفظ به ليأخذ بألباب السامعين، فجرى المدعي على هذا الزعم.

الثاني: الرغبة في الشهرة والملك والثراء والسيادة على الناس، ولو بالدجل والكذب، وكان أول من ادعى النبوة الأسود العنسي الكاهن؛ ادعى النبوّة في اليمن واستولى على بلادها، تبعه بنو مذجح، وقاموا معه، وقائدهم سهلة بن كعب، وأخرج عمال رسول الله، فكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى معاذ بن جبل - رضي الله عنه - وسادات اليمن، فأهلكه الله - عز وجل - على يد فيروز الديلمي بيَّته فقتله، وأخبر رسول الله بقتله ليلة قتل، فسر المسلمون، وقبض رسول الله من الغد وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول (١)، فإيمان العنسي بنبوة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - لم يجاوز السببين المذكورين آنفا، وهو باطل وعكسه تماما إيمان أبي مسلم الخولاني، طلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ ، قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ ، قال: نعم! ، فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه قائماً يصلي فيها، وقد صارت عليه برداً وسلاماً، وقدم المدينة بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر رضي الله عنهما وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله (٢).

ولم يكن العنسي آخر من يدعي النبوة في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمسيلمة الكذاب ادعى النبوة أيضا، وتبعه بنوا حنيفة وقاموا بأمر مسيلمة، وكتب إلى رسول الله كتابا يتضمن السبب الذي دفعه إلى ادعاء النبوة، فقال: من مسيلمة رسول الله، إلى محمد رسول الله، أما بعد: فإن الأرض نصفها لك ونصفها لي، فأجاب - صلى الله عليه وسلم - «من محمد إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد: {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ


(١) تفسير الرازي ٦/ ٨٠.
(٢) نظم الدرر للبقاعي ٥/ ٣١٣، وإمتاع الأسماع ١٤/ ٢٢٤.

<<  <   >  >>