للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد روينا في الخبر عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: آخر الأنبياء دخولا ً الجنة سليمان بن داود عليهما السلام لمكان ملكه، وآخر اصحابي دخولاً الجنة عبد الرحمن بن عوف لمكان غناه، وفي لفظ آخر: يدخل سليمان بن داود الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفاً، وقد جاء في الآثار إن أوّل من يدخل الجنة أهل البلاء إمامهم أيوب وهو إمام أهل البلاء وإن أبواب الجنة كلها مصراعان إلا باب الصبر فإنه مصراع واحد، وأوّل من يدخله أهل البلاء فقد زاد أيوب على سليمان عليهما السلام بعموم هذه الأخبار لأنه سيد أهل البلاء وتذكرة وعبرة لأولي النهي وإمام أهل الصبر والضرّ والابتلاء، ولم نقصد بما ذكرناه التفضيل بين الأنبياء لأنّا قد نهينا عن ذلك فيما روينا عن نبيّنا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: لا تفضّلوا بين الأنبياء ولكن الله تعالى قد أخبرنا أن بعضهم مفضل على بعض في قوله: (وَلَقَدْ فَضَّلنا بَعْضَ الْنَّبِيَّين على بَعْضٍ) الإسراء: ٥٥ وإنما أظهرنا فضل الثناء المستودع في الكتاب فاستنبطنا باطن الوصف المكرر في الخطاب في قصة أبوب على قصة سليمان عليهما السلام بما ظهر لنا من فهم فصل الخطاب وتدبر معاني الكلام وعلم الله تعالى المقدم وهو عزّ وجلّ أعلم وأحكم وقد ندبنا إلى الاستنباط في قول الرسول عليه السلام: اقرؤوا القرآن والتمسوا غرائبه ولأن في ذلك عزّ الأهل الصبر والبلاء وتقوية لقلوبهم وتعريفاً لسوابغ نعم الله تعالى عليهم وإظهاراً لبواطن النعم وتنبيهاً على لطائف الكلم وتزهيداً في الدنيا والنفس وترغيباً في الآخرة والصبر وتفضيلاً لطريق أهل البلاء الذين هم الأمثل فالأمثل بالأنبياء، فجاء من ذلك تفضيل المتبلي الصابر على بلائه ورضاه بحكم مولاه وتسليماً لمرضاته على المنعم عليه، الشاكر على نعمائه، إذ النعم ملائمة للطبع موافقة للنفس لا يحتاج معها إلى كدّ النفس بالصبر عليها ولا حملها على المشقة فيها بالرضا بها، والبلاء مباين للطبع نافرة منه النفس يحتاج إلى حمل عليه ومشقة فيه، وما كرهته النفس فهو خير وأفضل ولا سبيل إليه إلا بسكينة من الله تعالى وتصبر عليه بقوة به عزّ وجلّ وعناية منه: (وَاصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلاَّ بالله) النحل: ١٢٧، وهذا آخر شرح مقامات الصبر.

شرح مقام الشكر

ووصف الشاكرين وهو الثالث من مقامات اليقين

قال الله تعالى: (ما يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنْتُمْ) النساء: ١٤٧ فقرن الشكر بالإيمان ورفع بوجودهما العذاب، وقال تعالى: (وَسَنجْزِي الشَّاكِرينَ) آل عمران: ١٤٥، وروي عن النبي لله أنه قال: الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: الشكر نصف الإيمان، وقد أمر الله تعالى بالشكر وقرنه بالذكر في قوله تعالى: (فاذْكُروني أذْكُرْكُمْ واشْكُروا لي ولا تَكْفُرُونِ) البقرة: ١٥٢، قد عظم الذكر بقوله: (ولذِكْر الله أَكْبَر) فصار الشكر أكبر لاقترانه به ورضا الله تعالى بالشكر مجازاة من عباده لفرط كرمه لأن قوله تعالى: (فاذْكُروني أذْكُرْكُمْ واشْكُرو لي) البقرة: ١٥٢

<<  <  ج: ص:  >  >>