للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:
مسار الصفحة الحالية:

١٠١٥ - وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلًا، وَفِي رِوَايَتِهِ: " شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ ".

ــ

١٠١٥ - (وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) : هُوَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ ") ، أَيْ: تَرَدَّدَ بِلَا رُجْحَانٍ فَإِنَّهُ مَعَ الظَّنِّ يَبْنِي عَلَيْهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، (" فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا ") : تَمْيِيزٌ رَافِعٌ لِإِبْهَامِ الْعَدَدِ فِي كَمْ (" أَوْ أَرْبَعًا ") ، أَيْ: مَثَلًا (" فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ ") ، أَيْ: مَا يَشُكُّ فِيهِ وَهُوَ الرَّكْعَةُ الرَّابِعَةُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (" وَلْيَبْنِ ") : بِسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِهِ (" عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ") ، أَيْ: عَلِمَ يَقِينًا وَهُوَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ (" ثُمَّ يَسْجُدْ ") : بِالْجَزْمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ (" سَجْدَتَيْنِ ") : فِي الْأَزْهَارِ: وَيَجُوزُ فِيهِ الْجَزْمُ عَطْفًا عَلَى لِيَبْنِ، وَالرَّفْعُ خَبَرٌ أَوْ بِمَعْنَى الْأَمْرِ إِشَارَةً إِلَى الْمُغَايَرَةِ فِي الْحُكْمِ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا (" قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ") .

قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَقْتَ السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: مَوْضِعُهُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَتَمَسُّكًا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ، قُلْتُ: الْحَدِيثَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَالثَّانِي وَافَقَهُمَا الْأَرْبَعَةُ، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ فَالْعِلْمُ بِالْأَصَحِّ وَالْأَكْثَرِ أَوْلَى، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَالَ مَالِكٌ - وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيِمٌ لِلشَّافِعِيِّ - إِنْ كَانَ السُّجُودُ لِنُقْصَانٍ قَدَّمَ وَإِنْ كَانَ لِزِيَادَةٍ أَخَّرَ، وَحَمَلُوا الْأَحَادِيثَ عَلَى الصُّورَتَيْنِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُمَا، قُلْتُ: لَكِنْ أَبُو يُوسُفَ أَلْزَمَ مَالِكًا بِقَوْلِهِ: فَكَيْفَ إِذَا وَقَعَ نُقْصَانٌ وَزِيَادَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاقْتَفَى أَحْمَدُ مَوَارِدَ الْحَدِيثِ وَفَصَلَ بِحَسْبِهَا فَقَالَ: إِنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ قَدَّمَ وَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا ثُمَّ تَدَارَكَهُ أَخَّرَ، وَكَذَا إِنْ فَعَلَ مَا لَا نَقْلَ فِيهِ، قُلْتُ: هُوَ أَيْضًا فِيمَا لَا نَقْلَ فِيهِ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ، وَقِيلَ: الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ لَا فِي الْجَوَازِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(" فَانْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا ") : تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِالسُّجُودِ، أَيْ: فَإِنْ كَانَ مَا صَلَّاهُ فِي الْوَاقِعِ أَرْبَعًا فَصَارَ خَمْسًا بِإِضَافَتِهِ إِلَيْهِ رَكْعَةً أُخْرَى (" شَفَعْنَ ") : بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِهَا (" لَهُ صَلَاتَهُ ") : وَإِسْنَادُ الْفِعْلِ إِلَى الْخَمْسِ مَجَازِيٌّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ فِي " شَفَعْنَ " لِلرَّكَعَاتِ الْخَمْسِ، وَفِي " لَهُ " لِلْمُصَلِّي يَعْنِي: شَفَعَتِ الرَّكَعَاتُ الْخَمْسُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ بِالسَّجْدَتَيْنِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي: شَفَعَهَا هَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ، أَيْ: شَفَعَ الْمُصَلِّي الرَّكَعَاتِ الْخَمْسَ بِالسَّجْدَتَيْنِ.

وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ الرَّكْعَةُ الْخَامِسَةُ وَالسَّجْدَتَانِ لِلرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ الْآتِيَةِ، كَانَتِ الرَّكْعَةُ وَالسَّجْدَتَانِ نَافِلَةً لَهُ، أَيْ: وَصَارَتْ صَلَاتُهُ شَفْعًا بَاقِيًا عَلَى حَالِهِ، وَفِيهِ أَوْضَحُ رَدٍّ عَلَى مَنْ قَالَ: يَأْتِي بِرَكْعَةٍ سَادِسَةٍ حَتَّى تَصِيرَ صَلَاتُهُ شَفْعًا؛ انْتَهَى، وَفِيهِ أَنَّ الشَّفْعَ الْحُكْمِيَّ مَا يُنَافِي الشَّفْعَ الْحَقِيقِيَّ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ، وَجَعَلَ كَلَامَ الطِّيبِيِّ بِالْمُحَالِ أَشْبَهَ، وَيُشْبِهُ أَنَّهُ مَا فَهِمَ كَلَامَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَهُوَ قَدْ أَرَادَ بِهِ الْمَجَازَ، (" وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ ") : قِيلَ نَصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ يَعْنِي: إِنْ كَانَ صَلَّى مَا يَشُكُّ فِيهِ لِإِتْمَامِ أَرْبَعٍ، وَقِيلَ: أَنَّهُ حَالٌ، أَيْ: إِنْ صَلَّى مَا شَكَّ فِيهِ حَالَ كَوْنِهِ مُتَمِّمًا لِلْأَرْبَعِ، فَيَكُونُ قَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، (" كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ ") ، أَيْ: وَإِنْ صَارَتْ صَلَاتُهُ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ أَرْبَعًا كَانَتَا، أَيِ: السَّجْدَتَانِ تَرْغِيمًا، أَيْ: إِذْلَالًا لِلشَّيْطَانِ حَيْثُ أَتَى مَا أَبَى عَنْهُ لِلْعَيْنِ، قَالَ الْقَاضِي: الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَسْجُدَ إِذِ الْأَصْلُ أَنَّهُ لَمْ يَزِدْ شَيْئًا، لَكِنَّ صَلَاتَهُ لَا تَخْلُو عَنْ أَحَدِ خَلَلَيْنِ: إِمَّا الزِّيَادَةُ وَإِمَّا أَدَاءُ الرَّابِعَةِ عَلَى التَّرَدُّدِ، فَيَسْجُدُ جَبْرًا لِلْخَلَلِ، وَالتَّرَدُّدُ لَمَّا كَانَ مِنْ تَسْوِيلِ الشَّيْطَانِ وَتَلْبِيسِهِ سُمِّيَ جَبْرُهُ تَرْغِيمًا لَهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلًا) : قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَلَا يَضُرُّ تَقْصِيرُ مَنْ أَرْسَلَهُ ; لِأَنَّ الَّذِينَ وَصَلُوهُ حُفَّاظٌ مَقْبُولَةٌ زِيَادَتُهُمْ، (وَفِي رِوَايَتِهِ) ، أَيْ: رِوَايَةِ مَالِكٍ بَدَلَ: " شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ "، (" شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ ") ، أَيْ: لَمَّا بَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَصَلَّى رَكْعَةً أُخْرَى، فَإِذَا صَارَتْ صَلَاتُهُ خَمْسًا شَفَعَهَا، أَيْ: جَعَلَ الْخَمْسَ شَفْعًا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ، لِأَنَّهَا تَصِيرُ سِتًّا بِهِمَا حَيْتُ أَتَى بِمُعْظَمِ أَرْكَانِ الرَّكْعَةِ وَهُوَ السُّجُودُ، فَكَأَنَّهُ أَتَى بِالرَّكْعَةِ السَّادِسَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْمَلَكِ هُنَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُصَلِّي رَكْعَةً سَادِسَةً سَهْوٌ ظَاهِرٌ وَخَطَأٌ بَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي الْمُقَدَّرِ، وَالْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُحَقَّقِ، نَعَمْ كَلَامُهُ يُلَائِمُ الْحَدِيثَ الْآتِي، مَعَ أَنَّ ضَمَّ رَكْعَةٍ أُخْرَى مَنْدُوبٌ.

<<  <  ج: ص:  >  >>