للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

(قَالَ) ، أَيْ: أَوْسٌ الرَّاوِي (يَقُولُونَ) ، أَيِ: الصَّحَابَةُ، أَيْ يُرِيدُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ (بَلِيتَ) : وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي الْمَصَابِيحِ بِلَفْظِ (يَقُولُ: بَلِيتَ) فَلَا يُعَرَّجُ عَلَى قَوْلِ الطِّيبِيِّ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْمَصَابِيحِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَرَمْتَ، يَقُولُ: بَلِيتَ، وَأَمَّا فِي الْمِشْكَاةِ فَلَفْظُ الْحَدِيثِ هَكَذَا قَالَ: يَقُولُونَ: بَلِيتَ، فَهُوَ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْقَائِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَهُ اسْتِبْعَادًا، تَأَمَّلْ. ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، وَوَجْهُ التَّأَمُّلِ أَنَّهُ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ الْغَيْبَةُ فِي يَقُولُونَ، وَتَكْرَارُ قَالَ، وَيُنَافِيهِ مَا فِي الْمَصَابِيحِ، وَقَدْ أَرَمْتَ يَقُولُ: قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ، أَيْ قَالَ الرَّاوِي: بَلِيتَ مِنْ أَرِمَ الْمَالُ وَالنَّاسُ، أَيْ: فَنُوا، وَأَرْضٌ أَرِمَةٌ لَا تَنْبُتُ شَيْئًا فَمَعْنَى مَا فِي الْمِشْكَاةِ قَالَ الرَّاوِي: يَقُولُونَ، أَيْ يَعْنُونَ بِأَرَمْتَ بَلِيتَ، أَيْ: مَعْنَاهُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لِبَيَانِ مُشْكِلِ الْحَدِيثِ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ أَعْنِي. (قَالَ) ، أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ) ، أَيْ: مَنَعَهَا وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ لَطِيفَةٌ (أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ) ، أَيْ: مِنْ أَنْ تَأْكُلَهَا، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ فِي قُبُورِهِمْ أَحْيَاءٌ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا وَجْهُ الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ الْمَانِعَ مِنَ الْعَرْضِ وَالسَّمَاعِ هُوَ الْمَوْتُ وَهُوَ قَائِمٌ؟ قُلْتُ: لَا شَكَّ أَنَّ حِفْظَ أَجْسَادِهِمْ مِنْ أَنْ تَرِمَ خَرْقٌ لِلْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ، فَكَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْفَظُهَا، فَكَذَلِكَ يُمَكِّنُ مِنَ الْعَرْضِ عَلَيْهِمْ، وَمِنْ الِاسْتِمَاعِ مِنْهُمْ صَلَوَاتِ الْأمَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَرِدُ فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ مِنَ الْفَصْلِ الثَّالِثِ، فَنَبِيُّ اللَّهِ حَيٌّ يُرْزَقُ اهـ.

قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: لَا حَاجَةَ فِي وَجْهِ مُطَابَقَةِ الْجَوَابِ إِلَى هَذَا التَّطْوِيلِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ. . . إِلَخْ. مُقَابِلَ قَوْلِهِ: فَقَدَ أَرَمْتَ، وَأَيْضًا فَمُحَصِّلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ، فَيُمْكِنُ لَهُمْ سَمَاعُ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِمْ، تَأَمَّلْ. تَمَّ كَلَامُهُ، فَتَأَمَّلْ فِي كَلَامِهِ فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ أَنَّهُ مُحَصِّلُ الْجَوَابِ هُوَ خُلَاصَةُ مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِنَ السُّؤَالِ، وَالْجَوَابِ غَايَتُهُ أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ التَّوْضِيحِ وَالْإِطْنَابِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِنَّ قَوْلَهُ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ، مُقَابِلَ قَوْلِهِ: وَقَدْ أَرَمْتَ كَلَامٌ حَسَنٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ، وَهُوَ أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ سَأَلُوا بَيَانَ كَيْفِيَّةِ الْعَرْضِ بَعْدَ اعْتِقَادِ جَوَازِ أَنَّ الْعَرْضَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ لِقَوْلِ الصَّادِقِ: " «فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» " لَكِنْ حَصَلَ لَهُمُ الِاشْتِبَاهُ أَنَّ الْعَرْضَ هَلْ هُوَ عَلَى الرُّوحِ الْمُجَرَّدِ أَوْ عَلَى الْمُتَّصِلِ بِالْجَسَدِ؟ وَحَسِبُوا أَنَّ جَسَدَ النَّبِيِّ كَجَسَدِ كُلِّ أَحَدٍ، فَكَفَى فِي الْجَوَابِ مَا قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ، وَأَمَّا عَلَى مَا قَدَّمَهُ الطِّيبِيُّ فَإِنَّمَا يُفِيدُ حَصْرَ الْعَرْضِ، وَالسَّمَاعِ بَعْدَ الْمَوْتِ بِالْأَنْبِيَاءِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ سَائِرَ الْأَمْوَاتِ أَيْضًا يَسْمَعُونَ السَّلَامَ وَالْكَلَامَ، وَتُعْرَضُ عَلَيْهِمْ أَعْمَالُ أَقَارِبِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، نَعَمْ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ تَكُونُ حَيَاتُهُمْ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَيَحْصُلُ لِبَعْضِ وُرَّاثِهِمْ مِنَ الشُّهَدَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ الْحَظُّ الْأَوْفَى بِحِفْظِ أَبْدَانِهِمُ الظَّاهِرَةِ، بَلْ بِالتَّلَذُّذِ بِالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَنَحْوِهِمَا فِي قُبُورِهِمُ الطَّاهِرَةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ الْآخِرَةِ، وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ كُلُّهَا ذَكَرَهَا السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِ شَرْحِ الصُّدُورِ فِي أَحْوَالِ الْقُبُورِ، بِالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ، وَالْآثَارِ الصَّرِيحَةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا أَفَادَهُ مِنْ ثُبُوتِ حَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ حَيَاةً بِهَا يَتَعَبَّدُونَ، وَيُصَلُّونَ فِي قُبُورِهِمْ، مَعَ اسْتِغْنَائِهِمْ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ كَالْمَلَائِكَةِ أَمْرٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَقَدْ صَنَّفَ الْبَيْهَقِيُّ جُزْءًا فِي ذَلِكَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَزَادَ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ. (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: لَهُ عِلَّةٌ دَقِيقَةٌ أَشَارَ إِلَيْهَا الْبُخَارِيُّ نَقَلَهُ مِيرَكُ، قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ إِنَّهُ صَحِيحٌ بِنَقْلِ الْعَدْلِ عَنِ الْعَدْلِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُنْكَرٌ أَوْ غَرِيبٌ لِعِلَّةٍ خَفِيَّةٍ بِهِ، فَقَدِ اسْتَرْوَحَ ; لِأَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ رَدَّهَا.

<<  <  ج: ص:  >  >>