للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فصل

ولما كان عموم اشتغالهم بأشعار الجاهلية

ولم يجد الطبع صادا عما وضع عليه من مطالعة الأحاديث ومعرفة سير السلف الصالح سالت بهم الطباع إلى هوة الهوى فانبثت شرع البطالة يعبث فقل أن ترى منهم متشاغلا بالتقوى أو ناظرا في مطعم فإن النحو يغلب طلبه على السلاطين فيأكل النحاة من أموالهم الحرام كما كان أبو علي الفارسي في ظل عضد الدولة وغيره.

وقد يظنون جواز الشيء وهو غير جائز لقلة فقههم كما جرى للزجاج أبي إسحاق إبراهيم بن السري.

قال: كنت أؤدب القاسم بن عبد الله فأقول له إن بلغت إلى مبلغ أبيك ووليت الوزارة ماذا تصنع بي: فيقول: ما أحببت.

فأقول له: أن تعطيني عشرين ألف دينار.

وكانت غاية أمنيتي فما مضت إلا سنون حتى ولي القاسم الوزارة وأنا على ملازمتي له.

وقد صرت نديمة فدعتني نفسي إلى إذكاره بالوعد ثم هبته.

فلما كان في اليوم الثالث من وزارته قال لي: يا أبا إسحاق.

لم أرك أذكرتني بالنذر.

فقلت عولت على رعاية الوزير أيده الله وأنه لا يحتاج إلى إذكار لنذر عليه في أمر خادم واجب الحق.

فقال لي: إنه المعتضد.

ولولاه ما تعاظمني دفع ذلك إليك في مكان واحد ولكن أخاف أن يصير لي معه حديث فاسمح بأخذه متفرقا.

فقلت افعل.

فقال: اجلس للناس وخذ رقاعهم في الحوائج الكبار واستعجل عليها ولا تمتنع من مسائلتي شيئا تخاطب فيه صحيحا كان أو محالا إلى أن يحصل لك مال النذر ففعلت ذلك وكنت أعرض عليه كل يوم رقاعا فيوقع فيها وربما قال لي كم ضمن لك على هذا فأقول كذا وكذا فيقول غبنت هذا يساوي كذا وكذا فاستزد فاراجع القوم ولا أزال أماكسهم ويزيدونني حتى أبلغ الحد الذي رسمه.

قال: فعرضت عليه شيئا عظيما فحصل عندي عشرون ألف دينار وأكثر منها في مدة مديدة.

فقال لي بعد شهور.

يا أبا إسحاق حصل مال النذر: فقلت: لا فسكت وكنت أعرض ثم يسألني في كل شهر أو نحوه هل حصل المال فأقول لا خوفا من انقطاع الكسب إلى أن حصل

<<  <   >  >>