يا نبي الله إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا.
قال: فقال نبي الله ﷺ: «إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة».
[ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في التخشع ومطأطأة الرأس وإقامة الناموس]
قال المصنف ﵀: إذا سكن الخوف القلب أوجب خشوع الظاهر ولا يملك صاحبه دفعه فتراه مطرقا متأدبا متذللا وقد كانوا يجتهدون في ستر ما يظهر منهم من ذلك.
وكان محمد بن سيرين يضحك بالنهار ويبكي بالليل.
ولسنا نأمر العالم بالانبساط بين العوام فإن ذلك يؤذيهم.
فقد روي عن علي ﵁: إذا ذكرتم العلم فاكظموا عليه ولا تخلطوه بضحك فتمجه القلوب ومثل هذا لا يسمى رياء لأن قلوب العوام تضيق عن التأويل للعالم إذا تفسح في المباح فينبغي أن يتلقاهم بالصمت والأدب وإنما المذموم تكلف التخشع والتباكي ومطأطأة الرأس ليرى الإنسان بعين الزهد والتهيؤ للمصافحة وتقبيل اليد وربما قيل له ادع لنا فيتهيأ للدعاء كأنه يستنزل الإجابة وقد ذكرنا عن إبراهيم النخعي أنه قيل له ادع لنا فكره ذلك واشتد عليه.
وقد كان في الخائفين من جمله الخوف على شدة الذل والحياء فلم يرفع رأسه إلى السماء وليس هذا بفضيلة لأنه لا خشوع فوق خشوع رسول الله ﷺ.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى قال: كان رسول الله ﷺ كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء.
وهذا دليل على استحباب النظر إلى السماء لأجل الاعتبار بآياتها وقد قال الله تعالى: ﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها﴾ وقال: ﴿قل انظروا ماذا في السموات والأرض﴾ وفي هذا رد على المتصوفين فإن أحدهم يبقى سنين لا ينظر إلى السماء.
وقد ضم هؤلاء إلى ابتداعهم الرمز إلى التشبيه ولو علموا أن إطراقهم كرفعهم في باب الحياء من الله