للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

كان قد مات فشك أيضا في أنه قد قرأ الكتاب وإن كان لم يقرأه.

وحكى أبو القاسم البلخي أن رجلا من السوفسطائية كان يختلف إلى بعض المتكلمين فأتاه مرة فناظره فأمر المتكلم بأخذ دابته فلما خرج لم يرها فرجع فقال سرقت دابتي، فقال ويحك لعلك لم تأت راكبا، قال بلى، قال فكر، قال هذا أمر أتيقنه.

فجعل يقول له تذكر، فقال ويحك ما هذا موضع تذكر، أنا لا أشك أنني جئت راكبا، قال: فكيف تدعي أنه لا حقيقة لشيء وإن حال اليقظان كحال النائم؟ فوجم السوفسطائي ورجع عن مذهبه.

[ذكر تلبيس الشيطان على فرق الفلاسفة]

قال النوبختي قد زعمت فرقة من المتجاهلين أنه ليس للأشياء حقيقة واحدة في نفسها، بل حقيقتها عند كل قوم على حسب ما يعتقد فيها، فإن العسل يجده صاحب المرة الصفراء مرا.

ويجده غيره حلوا.

قالوا وكذلك العالم هو قديم عند من اعتقد قدمه، محدث عند من اعتقد حدوثه.

واللون جسم عند من اعتقده جسما، وعرض عند من اعتقده عرضا.

قالوا فلو توهمنا عدم المعتقدين وقف الأمر على وجود من يعتقد.

وهؤلاء من جنس السوفسطائية فيقال لهم أقولكم صحيح؟ فسيقولون هو صحيح عندنا، باطل عند خصمنا.

قلنا دعواكم صحة قولكم مردودة وإقراركم بأن مذهبكم عند خصمكم باطل شاهد عليكم ومن شهد على قولهم بالبطلان من وجه فقد كفى خصمه بتبيين فساد مذهبه، ومما يقال لهم: أتثبتون للمشاهدة حقيقة؟ فإن قالوا لا، لحقوا بالأولين، وإن قالوا حقيقتها حسب الاعتقاد فقد نفوا عنها الحقيقة في نفسها وصار الكلام معهم كالكلام مع الأولين.

<<  <   >  >>