أن الفعل المنسق المنتظم لا يكون إلا من عالم حكيم، فكيف يفعل من ليس عالما وليس قادرا، فإن قالوا ولو كان الفاعل حكيما لم يقع في بنائه خلل.
ولا وجدت هذه الحيوانات المضرة فعلم أنه بالطبع.
قلنا ينقلب هذا عليكم بما صدر منه من الأمور المنتظمة المحكمة التي لا يجوز أن يصدر مثلها عن طبع.
فأما الخلل المشار إليه فيمكن أن يكون للابتلاء والردع والعقوبة، أو في طيه منافع لا نعلمها ثم أين فعل الطبيعة من شمس تطلع في نيسان على أنواع من الحبوب فترطب الحصرم والخلالة وتنشف البرة وتيبسها ولو فعلت طبعا لأيبست الكل أو رطبته فلم يبق إلا أن الفاعل المختار استعملها بالمشيئة في يبس هذه للادخار، والنضج في هذه للتناول، والعجب أن الذي أوصل إليها اليبس في أكنة لا يلقى جرمها والذي رطبها يلقى جرمها، ثم إنها تبيض ورد الخشخاش وتحمر الشقائق وتحمض الرمان وتحلي العنب، والماء واحد، وقد أشار المولى إلى هذا بقوله (تسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الأكل).
[ذكر تلبيسه على الثنوية]
وهم قوم قالوا صانع العالم اثنان: ففاعل الخير نور، وفاعل الشر ظلمة، وهما قديمان لم يزالا ولن يزالا قويين حساسين، سميعين بصيرين، وهما مختلفان في النفس والصورة، متضادان في الفعل والتدبير، فجوهر النور فاضل حسن نير صاف نقي طيب الريح حسن المنظر، ونفسه نفس خيرة كريمة حكيمة نفاعة منها الخير واللذة والسرور والصلاح.
وليس فيها شيء من الضرر ولا من الشر وجوهر الظلمة على ضد ذلك من الكدر والنقص ونتن الريح وقبح المنظر ونفسه نفس شريرة بخيلة سفيهة منتنة ضرارة منها الشر والفساد.