قال النوبختي: ومن هؤلاء من قال: إن العالم في ذوب وسيلان قالوا ولا يمكن الإنسان أن يتفكر في الشيء الواحد مرتين.
لتغير الأشياء دائما فيقال لهم: كيف علم هذا وقد أنكرتم ثبوت ما يوجب العلم، وربما كان أحدكم الذي يجيبه الآن غير الذي كلمه.
[ذكر تلبيسه على الدهرية]
قال المصنف: قد أوهم إبليس خلقا كثيرا أنه لا إله ولا صانع.
وأن هذه الأشياء بلا مكون، وهؤلاء لما لم يدركوا الصانع بالحس ولم يستعملوا في معرفته العقل جحدوه.
وهل يشك ذو عقل في وجود صانع فإن الإنسان لو مر بقاع ليس فيه بنيان ثم عاد فرأى حائطا مبنيا علم أنه لا بد له من بان بناه، فهذا المهاد الموضوع، وهذا السقف المرفوع، وهذه الأبنية العجيبة والقوانين الجارية على وجه الحكمة، أما تدل على صانع، وما أحسن ما قال بعض العرب: إن البعرة تدل على البعير، فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة أما يدلان على اللطيف الخبير، ثم لو تأمل الإنسان نفسه لكفت دليلا، ولشفت غليلا فإن في هذا الجسد من الحكم ما لا يسع ذكره في كتاب.
ومن تأمل تحديد الأسنان لتقطع، وتقريض الأضراس لتطحن.
واللسان يقلب الممضوغ وتسليط الكبد على الطعام ينضجه، ثم ينفذ إلى كل جارحة قدر ما تحتاج إليه من الغذاء، وهذه الأصابع التي هيئت فيها العقد لتطوى وتنفتح، فيمكن العمل بها، ولم تجوف لكثرة عملها إذ لو جوفت لصدمها الشيء القوي فكسرها، وجعل بعضها أطول من بعض لتستوي إذا ضمت، وأخفي في البدن ما فيه قوامه، وهي النفس التي إذا ذهبت فسد العقل الذي يرشد إلى المصالح، وكل شيء من هذه الأشياء ينادي أفي الله شك؟ وإنما يخبط الجاحد لأنه طلبه من حيث الحس، ومن الناس من جحده، لأنه لما أثبت وجوده من حيث الجملة لم يدركه من حيث التفصيل فجحد أصل الوجود، ولو أعمل هذا