للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وسبب تخليطهم أن قوى البشر لا تدرك العلوم إلا جملة والرجوع فيها إلى الشرائع (وقد حكي) لهؤلاء المتأخرين في أمتنا أن أولئك الحكماء كانوا ينكرون الصانع ويدفعون الشرائع ويعتقدونها نواميس وحيلا فصدقوا فيما حكي لهم عنهم ورفضوا شعار الدين وأهملوا الصلوات ولابسوا المحذورات واستهانوا بحدود الشرع وخلعوا ربقة الإسلام فاليهود والنصارى أعذر منهم لكونهم متمسكين بشرائع دلت عليها معجزات، والمبتدعة في الدين أعذر منهم لأنهم يدعون النظر في الأدلة وهؤلاء لا مستند لكفرهم إلا علمهم بأن الفلاسفة كانوا حكماء أتراهم ما علموا أنت الأنبياء كانوا حكماء وزيادة.

(وما قد حكى) لهؤلاء الفلاسفة من جحد الصانع محال: فإن أكثر القوم يثبتون الصانع ولا ينكرون النبوات وإنما أهملوا النظر فيها وشذ منهم قليل فتبعوا الدهرية الذين فسدت أفهامهم بالمرة وقد رأينا من المتفلسفة من أمتنا جماعة لم يكسبهم التفلسف إلاالتحير فلا هم يعملون بمقتضاه ولا بمقتضى الإسلام بل فيهم من يصوم رمضان ويصلي ثم يأخذ في الاعتراض على الخالق وعلى النبوات ويتكلم في إنكار بعث الأجساد ولا يكاد يرى منهم أحد إلا ضربه الفقر فأضر به فهو عامة زمانه في تسخط على الأقدار والاعتراض على المقدر حتى قال لي بعضهم أنا لا أخاصم إلا من فوق الفلك وكان يقول أشعارا كثيرة في هذا المعنى فمنها قوله في صفة الدنيا قال:

أتراها صنعة من غير صانعأم تراها رمية من رام

وقوله:

واحيرتا من وجود ما تقدمهمنا اختيار ولا علم فيقتبس

كأنه في عماء ما يخلصنامنه ذكاء ولا عقل ولا شرس

ونحن في ظلمة ما إن لها قمرفيها يضيء ولا شمس ولا قبس

<<  <   >  >>