للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الأقوى والأشد والأظهر والأجهر لما هو أقوى عملا وأعظم حسا، ومن ذلك المدّ والمطّ، فان فعل المط أقوى، لأنه مدّ وزيادة جذب، فناسب الطاء التي هي أعلى من الدال» «١»، ثم اختتم الأمثلة الكثيرة التي نقلها للتدليل على المناسبة بين اللفظ والمعنى بقوله: «فانظر إلى هذه الفروق وأشباهها باختلاف الحرف بحسب القوة والضعف وذلك في اللغة كثير جدا، وفيما أوردناه كفاية» «٢».

نستخلص من هذا أن السيوطي قد استوعب نظرات السابقين في هذا المبحث أيضا، وقد ذهب إلى إثبات المناسبة بين اللفظ والمعنى، على النحو الذي بينه ابن جني، أي أنّ ثمة صلة بين الألفاظ والمعاني لكنها ليست ذاتية أو طبيعية، وأقوال الأصوليين (علماء أصول الفقه) والتي نقل السيوطي جانبا منها تتخذ موقفا واضحا من هذه القضية، إذ يرون أن هذه الصلة عرفية اعتباطية بحيث لو أطلق لفظ الكفر على الإيمان ولفظ الإيمان على الكفر لكان ذلك ممكنا.

والواقع أن فكرة الصلة بين اللفظ والمعنى قد شغلت الباحثين في اللغة- ذلك النظام الصوتي العجيب- في القديم والحديث، فقد تصور بعض اليونانيين القدماء وجود صلة طبيعية ذاتية بين اللفظة ومعناها، وذهب آخرون إلى أنها لا تحدو أن تكون صلة اصطلاحية عرفية «٣».

وقد رأينا من انتصر- في العربية- لفكرة الصلة الذاتية وهو عباد بن سليمان الصيمري.

ويكاد جميع اللغويين العرب يطبقون على ثبوت نوع من المناسبة بين اللفظ والمعنى على النحو الذي بيّن مظاهره ابن جني بيد أنهم يخالفون عبادا في كون هذه الصلة موجبة وهو مرتبط بقول المعتزلة بمراعاة الأصلح في أفعال الله تعالى وجوبا، وأهل السنة يقولون بمراعاة الأصلح في أفعال الله تعالى منا منه وفضلا وليس وجوبا «٤»، كما ينكرون كون هذه المناسبة ذاتية لأن اللفظ لو دل بذاته


(١) المزهر ج ١ ص ٥٣.
(٢) المزهر ج ١ ص ٥٥.
(٣) د. إبراهيم أنيس: دلالة الألفاظ ص ٥٨.
(٤) المزهر ج ١ ص ٤٧، ٤٨.

<<  <   >  >>