للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال يحيى بن معاذ الرازي: في الدنيا جنة من دخلها لم يشتق إلى شيء ولم يستوحش، قيل: وما هي؟ قال: معرفة الله تعالى، وقال آخر: لم يخطئك من العارف إحدى ثلاث خلال تدل عليه هيبة أو حلاوة أو أنس، وقال عالمنا أبو محمد سهل رحمه الله: خرج العلماء والزهاد والعباد وقلوبهم مقفلة ولم يفتح إلا قلوب الصديقين والشهداء ثم تلا وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو يعني مقفلة عن مفاتح المعرفة وشهادة عين التوحيد فمجالس الذكر هذه قديماً كانت لأهل المعرفةوأصحاب معاملات القلوب وعلم الباطن وهم علماء الآخرة وأهل الفقة في الدين، وقد قال اللّّه تعالى وهو أصدق القائلين: (فلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدّينِ) التوبة: ١٢٢ الآية، فذكر الفقة الذي هو من صفة القلب والخوف الذي هو سبب الفقه وعلم العقل داخل في علم الظاهر والعلم بالله داخل فياليقين كما روي في الخبر اليقين الإيمان كله، وقال الله تعالى: (وما يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُون) العنكبوت: ٤٣ فجعل العقل وصفاً من العلم وقد أمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتعليم اليقين كما أمر بطلب العلم فكان هذا الحديث مخصوصاً من ذاك فيكون قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تعلّموا اليقين للخصوص لأن اليقين مقام فوق العلم ويكون قوله طلب العلم فريضة للعموم وفي قوله تعلموا اليقين أمر بمجالسة الموقنين لأن اليقين لا يظهر بذاته وإنما يوجد عندا لموقنين فقد أمرهم ولم يقل تعلموا علم المعقول ولا علم الفتاوى وكان علماء الظاهر قديماً يسمون المفتين ومن ذلك قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استفت قلبك وإن أفتاك المفتون فرده إلى فقه القلب وصرفه عن فتيا المفتين فلولا أن القلب فقيه لم يجز أن يدله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على غير فقيه ولولا أن علم الباطن حاكم على الظاهر ما دفعه من علوم أهل الظاهر وهم علماء الألسنة إلى علم الباطن وهو علم أهل القلوب مارده إليه ولا يجوز أن يرده من فقيه إلى فقيه دونه كيف وقد جاء هذا الحديث بلفظه مؤكدة بالتكرير والمبالغة فقال استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك، وهذا مخصوص لمن كان له قلب وألقى سمعه وشهد قيام شاهده وعرى عن شهواته ومعهوده لأن الفقه ليس من وصف اللسان ألم تسمع قوله تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها) الأعراف: ١٧٩، فمن كان له قلب سميع بسميع شهيد بشهيد فقه به الخطاب فاستجاب لما سمع وأناب وذكر في قوله تعالى: (لِيتَفَقَّهُوا في الدّينِ) التوبة: ١٢٢ وصفين ظهرا عن الفقه أحدهما النذارة وهو مقام في الدعوة إلى الله عز وجل ولا يحكون النذير إلا مخوّفاً ولا يكون المخوف إلا خائفاً والخائف عالم والثاني الحذر وهو حال من المعرفة بالله عزّ وجلّ وهو الخشية له، والفقه والفهم اسمان لمعنى واحد والعرب تقول: فقهت بمعنى فهمت وقد فضل الله تعالى الفهم عنه على العلم والحكمة ورفع الإفهام على القضاء والأحكام فقال تعالى: (فَفَهَّمْنَاها سُلَيْمانَ) الأنبياء: ٧٩، فأفرده بالفهم عنه وهو الذي فضله به على حكم

<<  <  ج: ص:  >  >>