للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الوقوف في الأهوال، ومن الزهد في الدنيا حبّ الفقر وأهله ومجالسة المساكين في أوطانهم والتذلّل لهم كما كان مطرف رحمه الله تعالى يجالس المساكين في بزّته يتقرّب بذلك إلى ربه، وكان محمد بن يوسف الأصفهاني عالماً زاهدًا ومن الناس من كان يفضّله على الثوري رحمها الله تعالى، إلا أنه كان يؤثر الخمول فلم يكن يعرفه إلا العلماء، وكان من حسن رهعايته وشدة يقظته يعمل في كلّ وقت أفضل ما يقدر عليه في ذلك الوقت، فلما طلبه ابن المبارك بالمصيصة قال له بعض من يعرف حاله: إن ذاك لا يكون في المصر إلا في أفضل موضع فيه قال: فهو إذا في الجامع فطلبه فقيل له: إنه لا يقعد إلا في أفضل مكان قال: فطلبه عند الفقراء فإذا هو دسّ رأسه وأخمل نفسه مع المساكين فكان عنده أن أفضل وطن في المصر الجامع لأنه يقال: إن الصلاة فيه بخمسين صلاة وإن أفضل الأماكن موضع الفقراء من الجامع وإن أفضل الأحوال الخمول، فلذلك أخمل نفسه فيما بين الفقراء في الجامع ليحوز فواضل الأعمال، ومن الزهد أن يكون بفقره مغتبطاً مشاهداً لعظيم نعمة الله تعالى عليه به يخاف أن يسلب فقره ويحول عن زهده، كما يكون الغني مغتبطاً بغناه يخاف الفقر ثم وجودحلاوة الزهد حتى يعلم الله تعالى من قلبه أن القلّة أحبّ إليه من الكثرة وأن الذلّ أحبّ إليه من العزّ وأن الوحدة آثر عنده من الجماعة وأن الخمول أعجب إليه من الاشتهار فهذا من إخلاصه في زهده.

وروينا عن عيسى عليه السلام وعن نبيّنا عليه السلام: أربع لا يدركن إلا بعجب الصمت، وهو أوّل العبادة والتواضع وكثرة الذكر وقلة الشيء، وقال الثوري رحمه الله تعالى: لا يكون الرجل عالماً حتى يعد البلاء نعمة والرخاء عقوبة، وقال بعض السلف: لا يفقه العبد كل الفقه حتى يكون الفقر أحبّ إليه من الغنى والذل آثر عنده من العزّ، وقد روينا خبراً مقطوعاً: لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يكون أن لا يعرف أحبّ إليه من أن يعرف وحتى يكون قلّة الشيء أحبّ إليه من كثرته، وكان السلف الصالح يقولون: نعمة الله علينا فيما صرف عنّا من الدنيا أعظم من نعمته فيما صرف إلينا، وكان الثوري رحمه الله تعالى يقول الدنيا دار التواء لا دار استواء ودار ترح لا منزل فرح، من عرفها لم يفرح برخاء ولم يحزن على شقاء، وكان سهل بن عبد الله رحمه الله يقول: لا يصحّ التعبّد لأحد ولايخلص له عمل حتى لا يجزع ولا يفرّ من أربعة أشياء: الجوع، والعرى، والفقر، والذل.

كما روينا أن إبراهيم التميمي رحمه الله تعالى دفع إليه خمسون ألف درهم فردّها فقيل له: لم رددتها فقال: أكره أن أمحو اسمي من ديوان الفقراء بخمسين ألفاً، ومن الزهد عند الزاهدين ترك فضول العلوم التي معلوماتها تؤول إلى الدنيا وتدعو إلى الجاه

<<  <  ج: ص:  >  >>