صارف عن ذلك لأن نفس الجدل والمناظرة تحرك الكبر والعجب وإنما يتقوم الإنسان بالرياضة ومطالعة سير السلف وأكثر القوم في بعد عن هذا وليس عندهم إلا ما يعين الطبع على شموخه فحينئذ يسرح الهوى بلا زاد.
ومنهم من يلبس عليه إبليس بأنه عالم وفقيه ومفت والعلم يدفع عن أربابه وهيهات فإن العلم أولى أن يحاجه ويضاعف عذابه كما ذكرنا في حق القراء.
وقد قال الحسن البصري: إنما الفقيه من يخشى الله ﷿.
قال ابن عقيل: رأيت فقيها خراسانيا عليه حرير وخواتم ذهب فقلت له.
ما هذا فقال خلع السطان وكمد الأعداء فقلت له بل هو شماتة الأعداء بك إن كنت مسلما لأن إبليس عدوك وإذا بلغ منك مبلغك ألبسك ما يسخط الشرع فقد أشمته بنفسك وهل خلع السطان سائغة لنهي الرحمن يا مسكين.
خلع عليك السطان فانخلعت به من الإيمان وقد كان ينبغي أن يلخع بك السلطان لباس الفسق ويلبسك لباس التقوى رماكم الله بخزيه حيث هونتم أمره هكذا ليتك قلت هذه رعونات الطبع الآن تمت محنتك لأن عدوانك دليل على فساد باطنك.
ومن تلبيسه عليهم: أن يحسن لهم ازدراء الوعاظ ويمنعهم من الحضور عندهم فيقولون من هؤلاء قصاص ومراد الشيطان أن لا يحضروا في موضع يلين فيه القلب ويخشع.
والقصاص لا يذمون من حيث هذا الاسم لأن الله ﷿ قال: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ وقال: ﴿فاقصص القصص﴾ وإنما ذم القصاص لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القصص دون ذكر العلم المفيد ثم غالبهم يخلط فيما يورده.
وربما اعتمد على ما أكثره محال فأما إذا كان القصص صدقا ويوجب وعظا فهو ممدوح وقد كان أحمد بن حنبل يقول: ما أحوج الناس إلى قاص صدوق.