للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

تعظيم المتزهدين

وقد يخرج بالعوام تعظيم المتزهدين إلى قبول دعاويهم وإن خرقوا الشريعة وخرجوا عن حدودها.

فترى المتنمس يقول للعامي: أنت فعلت بالأمس كذا وسيجري عليك كذا فيصدقه.

ويقول: هذا يتكلم على الخاطر ولا يعلم أن ادعاء الغيب كفر.

ثم يرون من هؤلاء المتنمسين أمورا لا تحل كمؤاخاة النساء والخلوة بهن ولا ينكرن ذلك تسليما لهم أحوالهم.

إطلاق النفس في المعاصي

ومن تلبيسه على العوام إطلاقهم أنفسهم في المعاصي فإذا وبخوا تكلموا كلام الزنادقة.

فمنهم من يقول: لا أترك نقدا لنسيئة.

ولو فهموا لعلموا أن هذا ليس بنقد لأنه محرم وإنما يخير بين النقد والنسيئة المباحين فمثلهم كمثل محموم جاهل يأكل العسل فإذا عوتب قال الشهوة نقد والعافية نسيئة.

ثم لو علموا حقيقة الإيمان لعلموا أن تلك النسيئة وعد صادق لا يخلف.

ولو عملوا عمل التجار الذين يخاطرون بكثير من المال لما يرجونه من الربح الليل لعلموا أن ما تركوه قليل وما يرجونه كثير.

ولو أنهم ميزوا بين ما آثروا وما أفاتوا أنفسهم لرأوا تعجيل ما تعجلوا إذ فاتهم الربح الدائم وأوقعهم في العذاب الذي هو الخسران المبين الذي لا يتلافى.

ومنهم من يقول الرب كريم والعفو واسع والرجاء من الدين فيسمون تمنيهم واغترارهم رجاء وهذا الذي أهلك عامة المذنبين.

قال أبو عمرو بن العلاء: بلغني أن الفرزدق جلس إلى قوم يتذكرون رحمة الله فكان أوسعهم في الرجاء صدرا فقال له: لم تقذف المحصنات؟ فقال: أحقروني لو أذنبت إلى ولدي ما أذنبته إلى ربي ﷿ أتراهما كانا يطيبان نفسا أن يقذفاني في تنور مملوء جمرا.

قالوا لا إنما كانا يرحمانك.

قال فإني أوثق برحمة ربي منهما.

قلت: وهذا هو الجهل المحض لأن رحمة الله ﷿ ليست برقة طبع ولو كانت كذلك لما ذبح عصفور ولا أميت طفل ولا أدخل أحد إلى جهنم.

<<  <   >  >>