للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

(إنْ لَمْ يَسْتَمِرَّ) عَلَيْهِ لِعَدَمِ مَوْضِعٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ إلَّا بَدَنَ كُفْءٍ (قِيلَ: يَسْتَمِرُّ) عَلَيْهِ وَلَا يَنْتَقِلُ إلَى كُفْئِهِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ (وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ) بَيْنَ الِاسْتِمْرَارِ عَلَيْهِ وَالِانْتِقَالِ إلَى كُفْئِهِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الضَّرَرِ.

(وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَا حُكْمَ فِيهِ) مِنْ إذْنٍ أَوْ مَنْعٍ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَهُ فِي الِاسْتِمْرَارِ وَالِانْتِقَالِ، وَأَحَدُهُمَا يُؤَدِّي إلَى الْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ وَالْمَنْعُ مِنْهُمَا لَا قُدْرَةَ عَلَى امْتِثَالِهِ قَالَ مَعَ اسْتِمْرَارِ عِصْيَانِهِ بِبَقَاءِ مَا تَسَبَّبَ فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِسُقُوطِهِ إنْ كَانَ بِاخْتِيَارِهِ وَإِلَّا فَلَا عِصْيَانَ.

(وَتَوَقَّفَ الْغَزَالِيُّ) فَقَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى يُحْتَمَلُ كُلٌّ مِنْ الْمَقَالَاتِ الثَّلَاثِ وَاخْتَارَ الثَّالِثَةَ فِي الْمَنْخُولِ وَلَا يُنَافِي فِي قَوْلِهِ كَإِمَامِهِ لَا تَخْلُو وَاقِعَةٌ عَنْ حُكْمٍ لِلَّهِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُمَا بِالْحُكْمِ

ــ

[حاشية العطار]

وَالْإِمَامِ وَغَيْرِهِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ إذْ الْكَلَامُ مَفْرُوضٌ فِي الْمُكَافَآتِ فِي الْقِصَاصِ وَلَا تَفْتَرِقُ الْأَشْخَاصُ فِيهِ.

وَأَمَّا التَّرْدِيدُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَغَيْرِهِ فَكَانَ الْأَوْلَى عَدَمُ ذِكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ وَلَا يَقَعُ، فَإِنَّ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ خُتِمَتَا بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذِهِ الصُّوَرُ ذِكْرُهَا فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ أَوْفَقُ مِنْهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ عَلَى أَنَّ الْغَزَالِيَّ شَدَّدَ النَّكِيرَ عَلَى الْفُقَهَاءِ فِي اشْتِغَالِهِمْ بِالْبَحْثِ عَنْ الْفُرُوعِ النَّادِرَةِ الَّتِي لَا تَكَادُ تَقَعُ وَمَا هُنَا مِنْهَا.

(قَوْلُهُ: قِيلَ يَسْتَمِرُّ) أَيْ وُجُوبًا وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ سَوَاءٌ كَانَ السُّقُوطُ بِاخْتِيَارِهِ أَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ اسْتِئْنَافُ فِعْلٍ بِغَيْرِ حَقٍّ وَتَكْمِيلُ الْفِعْلِ أَهْوَنُ مِنْ اسْتِئْنَافِهِ.

(قَوْلُهُ: وَالْمَنْعُ مِنْهُمَا لَا قُدْرَةَ عَلَى امْتِثَالِهِ) يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ الْعَادِيِّ بِنَاءً عَلَى إمْكَانِ الِامْتِنَاعِ مِنْهُمَا عَقْلًا اهـ. سم.

(قَوْلُهُ: يُحْتَمَلُ) أَيْ يَجُوزُ وَلِذَلِكَ رَفَعَ " كُلَّ " عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ.

(قَوْلُهُ: وَاخْتَارَ الثَّالِثَةَ فِي الْمَنْخُولِ) كَانَتْ عِبَارَةُ الشَّارِحِ أَوَّلًا، ثُمَّ اخْتَارَ وَيَرُدُّ عَلَى التَّعْبِيرِ بِثُمَّ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرْتِيبِ أَنَّ تَأْلِيفَ الْمَنْخُولِ قَبْلَ تَأْلِيفِ الْمُسْتَصْفَى لَا بَعْدَهُ، فَإِنَّ الْمُسْتَصْفَى مِنْ آخَرِ مَا أَلَّفَهُ الْغَزَالِيُّ كَمَا صَرَّحَ بِالْأَمْرَيْنِ فِي خُطْبَةِ الْمُسْتَصْفَى.

وَقَدْ كُنْت ذَكَرْت ذَلِكَ لِلْأَخِ الشَّيْخِ بُرْهَانِ الدِّينِ حِينَ قِرَاءَتِهِ هَذَا الْمَوْضِعَ عَلَيَّ، فَلَمَّا بَحَثَ الشَّارِحُ عَلَى مُؤَلِّفِهِ ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَأَزَالَ كَلِمَةَ " ثُمَّ " وَأَثْبَتَ الْوَاوَ بَدَلَهَا، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ دَعْوَاهُ اخْتِيَارَ الْغَزَالِيِّ الثَّالِثَةَ مَمْنُوعَةٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمَنْخُولِ الْمُخْتَارِ أَنْ لَا حُكْمَ مَقُولٌ عَلَى لِسَانِ الْإِمَامِ، فَإِنَّ الْمَنْخُولَ فِي الْحَقِيقَةِ تَلْخِيصُ الْبُرْهَانِ لِلْإِمَامِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَسْمِيَةٌ بِالْمَنْخُولِ مِنْ تَعْلِيقِ الْأُصُولِ وَتَصْرِيحِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ فِي آخِرِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ عَلَى مَا فِي تَعْلِيقِ الْإِمَامِ يَعْنِي الْبُرْهَانَ.

وَقَدْ أَعَادَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْمَقَالَةَ الثَّالِثَةَ آخِرَ كِتَابِ الْفَتْوَى فِي الْمَنْخُولِ وَنَسَبَهَا إلَى الْإِمَامِ، ثُمَّ اعْتَرَضَهَا فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ مَرْضِيَّةٍ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ خُلُوُّ وَاقِعَةٍ عَنْ حُكْمٍ لِلَّهِ تَعَالَى قَالَ مَا نَصَّهُ.

، فَإِنْ قِيلَ: مَا قَوْلُكُمْ فِي السَّاقِطِ مِنْ سَطْحٍ عَلَى مَصْرُوعٍ إنْ تَحَوَّلَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ قَتَلَهُ، وَإِنْ مَكَثَ عَلَيْهِ قَتَلَهُ، فَمَاذَا يَفْعَلُ، وَقَدْ قَضَيْتُمْ بِأَنْ لَا حُكْمَ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ؟ قُلْنَا: حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا حُكْمَ فِيهِ فَهَذَا أَيْضًا حُكْمٌ وَهُوَ نَفْيُ الْحُكْمِ هَذَا مَا قَالَهُ الْإِمَامُ فِيهِ، وَقَدْ كَرَّرْته عَلَيْهِ مِرَارًا وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: نَفْيُ الْحُكْمِ حُكْمٌ لَجَازَ ذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ وَبَعْدَ وُرُودِهِ وَعَلَى الْجُمْلَةِ جَعْلُ نَفْيِ الْحُكْمِ حُكْمًا تَنَاقُضٌ، فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ إنْ كَانَ لَا يَعْنِي بِهِ تَخْيِيرَ الْمُكَلَّفِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَتَرْكِهِ، وَإِنْ عَنَاهُ فَهُوَ إبَاحَةٌ مَحْضَةٌ لَا مُسْتَنَدَ لَهَا فِي الشَّرْعِ، هَذَا لَفْظُهُ فِي الْمَنْخُولِ وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ نِسْبَةَ اخْتِيَارِ الْمَقَالَةِ الثَّالِثَةِ إلَيْهِ مُنْتَقَدَةٌ وَإِنَّ التَّحْقِيقَ مَا فِي الْمَتْنِ مِنْ نَقْلِ التَّوَقُّفِ عَنْهُ وَنَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ إمَامِهِ اهـ. كَمَالٌ.

قَالَ سم قَوْلُهُ: لَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: نَفْيُ الْحُكْمِ حُكْمٌ إلَخْ لَا مَانِعَ مِنْ الْتِزَامِ جَوَازِ ذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ إذْ لَا مَحْذُورَ فِيهِ لِاخْتِلَافِ الْحُكْمَيْنِ الْمُثْبَتِ وَالْمَنْفِيِّ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوَّلِ الْمَعْنَى الْأَعَمُّ وَهُوَ الْأَمْرُ الثَّابِتُ بِالثَّانِي أَحَدُ فَرْدَيْهِ وَهُوَ إذْنُ الشَّارِعِ أَوْ مَنْعُهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ هُوَ الثَّانِي فَقَطْ حَتَّى يَمْتَنِعَ قَوْلُهُ: قَبْلَ الْبَعْثَةِ لِمُنَافَاتِهِ قَوْلَهُمْ لَا حُكْمَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَبِاخْتِلَافِ الْمُثْبَتِ وَالْمَنْفِيِّ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ يَنْدَفِعُ التَّنَاقُضُ فِي قَوْلِهِ حُكْمُ اللَّهِ أَنْ لَا حُكْمَ إلَخْ إذْ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَ إثْبَاتِ الْعَامِّ وَنَفْيِ الْخَاصِّ اهـ. مُلَخَّصًا.

وَهَذَا الْجَوَابُ هُوَ مَا دَفَعَ بِهِ الشَّارِحُ التَّنَافِي بَيْنَ (قَوْلِهِ لَا تَخْلُو وَاقِعَةٌ عَنْ حُكْمٍ لِلَّهِ تَعَالَى) وَقَوْلُ الْإِمَامِ لَا حُكْمَ فِيهِ فَفِي دَفْعِ الشَّارِحِ بِهِ ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى دَفْعِ اعْتِرَاضِ الْغَزَالِيِّ بِهِ أَيْضًا.

وَأَمَّا قَوْلُ سم أَنَّ إصْرَارَهُ يَعْنِي الْغَزَالِيَّ هُنَا الْإِمَامَ عَلَيْهَا اخْتِيَارٌ لَهَا، وَإِنْ اعْتَرَضَهَا فِي مَحَلٍّ

<<  <  ج: ص:  >  >>